المستقل – بقلم: م. وسام محمد البشتاوي
أكتب هذه السطور لا بصفة حزبية مجردة، بل بصفتي مواطنًا أردنيًا قبل أي شيء، أحمل قلق الناس وأسئلتهم اليومية. ومن موقعي في المكتب السياسي للحزب المدني الديمقراطي الأردني، أجد أن الحديث عن وسط اليسار لم يعد ترفًا فكريًا ولا استدعاءً لذكريات مرحلة مضت، بل محاولة جدية لإعادة تعريف السياسة بوصفها أداة لتحسين حياة الناس، لا مجرد منبر للشعارات.
في السنوات الأخيرة، مرّ الأردنيون بحالة من الإرباك الاقتصادي والاجتماعي. تضخمت الأعباء، وتراجعت الثقة، وبدأت مفاهيم كانت تشكل طمأنينة للناس – كالتقاعد والضمان الاجتماعي – تتعرض لإهتزازات أثارت مخاوف مشروعة بالنسبة لكثيرين، كان الضمان الاجتماعي يمثل آخر خط دفاع عن الاستقرار الشخصي والعائلي. وعندما يُمسّ هذا الخط يصبح السؤال أكبر من نقاش تقني؛ يصبح سؤال أمان وكرامة.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة سياسية عميقة، مراجعة لا تنحصر في تبديل الوجوه، بل في إعادة النظر في النموذج نفسه: كيف تُدارهذة الملفات المهمة؟ كيف تُبنى الأولويات؟ وكيف يُصاغ الاقتصاد بحيث يخدم المجتمع كله، لا فئة محدودة؟ ما نحتاجه ليس صخبًا، بل كفاءة. ليس قطيعة عبثية، بل تحولًا مدروسًا نحو نموذج تكنوقراطي رشيد، يربط القرار السياسي بالخبرة والنتائج القابلة للقياس و التعديل.
الحزب المدني الديمقراطي، الذي تأسس عام 2023، حاول منذ انطلاقته أن يقدّم نفسه كمسار مدني ديمقراطي واضح المعالم، يقوم على المواطنة، والتعددية، وصون الحقوق والحريات. في الجانب الاقتصادي، نتبنى مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي: سوق نشِط ومنتج، نعم، لكنه محكوم بقواعد عادلة، وتكافؤ فرص حقيقي، وشبكة أمان اجتماعي تحمي الفئات الأضعف. لسنا مع اقتصاد متروك لقانون الغلبة، ولا مع اقتصاد جامد يعادي المبادرة والاستثمار. المعادلة الممكنة تكمن في التوازن.
هذه هي روح يسار الوسط التي أؤمن بها: ليس يسارًا يقفز فوق الواقع بحماسة خطابية، ولا يمينًا يختزل المجتمع في جداول وأرقام. بل تيار يربط الإصلاح السياسي بالعدالة الاقتصادية ربطًا مباشرًا: فرص عمل حقيقية، حماية اجتماعية مستدامة، خدمات عامة قابلة للقياس والمساءلة، ومكافحة فساد عبر مؤسسات رقابية وتشريعات فاعلة، لا عبر موجات غضب عابرة.
السنوات الماضية ضغطت على الطبقة الوسطى تحديدًا، ووسّعت فجوة القلق لدى الفئات الهشة. ومع هذا الضغط، تغيّر مزاج الشارع. لم يعد السؤال: “من يمثلني؟” بل “ماذا سيغيّر في حياتي؟”. هنا تحديدًا يصبح البرنامج أهم من الشعار. يسار الوسط، كما نراه، يملك قدرة على الإقناع لأنه يطرح معادلة قابلة للتطبيق: إصلاح سياسي تدريجي ومتراكم، يوازيه توجه اقتصادي يعطي أولوية للعدالة الضريبية، ومحاربة الاحتكار، وتعزيز بيئة تنافسية منضبطة، دون تعطيل الاستثمار أو تخويف رأس المال الوطني.
عندما أقول إن اليسار يعود إلى المسار، لا أعني أن المزاج العام انقلب فجأة، ولا أن الأحزاب المدنية باتت أكثرية. المقصود أن الأجندة الاجتماعية عادت إلى صلب النقاش العام. البطالة، الفقر، العدالة الضريبية، شكل الدولة المدنية في مجتمع محافظ، حماية الحريات ضمن إطار القانون، مستقبل الضمان الاجتماعي… هذه لم تعد قضايا هامشية، بل معايير حقيقية يُقاس بها أي برنامج سياسي.
مرّ التيار اليساري الوسطي بتجارب قاسية. بعض الأحزاب التي شكّلت عموده الفقري تاريخيًا اتجهت تدريجيًا نحو ليبرالية تحت مسمى الليبرالية الجديدة او النيولبرالي، ما خلق فجوة لدى كوادر ظلت متمسكة بالحس الاجتماعي الإصلاحي. أمام هذا الواقع، وجد كثيرون أنفسهم بين الانكفاء أو البحث عن مساحة سياسية جديدة تعيد الاعتبار لفكرة البرنامج والعمل المنظم وخدمة الناس.
في هذا السياق، انضمام خبرات متنوعة إلى الحزب المدني الديمقراطي لا يُنظر إليه كعبء، بل كرصيد. التجربة، مهما تعثرت، تظل مدرسة. والمهم هو توجيهها ضمن إطار واضح وشفاف، بعيدًا عن الشخصنة أو تصفية الحسابات. السياسة التي نطمح إليها تقوم على التراكم، لا الإقصاء.
نحن لا نعد بالمستحيل. نقول ببساطة:
الكرامة الاقتصادية تُبنى عبر تعليم عام قوي، وصحة عامة محترمة، وبنية نقل وخدمات لائقة، ودعم موجّه يصل إلى مستحقيه.
الاستثمار يحتاج عدالة ضريبية ومنافسة نزيهة وبيئة تحمي العامل كما تكافئ المنتج.
الإصلاح السياسي ضمانة استقرار، حين تقوم الأحزاب على برامج، والمجالس المنتخبة على رقابة وتشريع فعليين، والمؤسسات على قواعد لا على أشخاص.
والحريات ليست ترفًا، بل شرط إنتاج وإبداع؛ رأي مسؤول، إعلام مهني، ومساحة مدنية تقي المجتمع من التطرف والانغلاق.
الأردن اليوم ليس في لحظة حسم حزبي، بل في لحظة بناء مسار. تشريعات تدفع نحو العمل الحزبي، ونقاش عام أكثر حساسية تجاه البرامج. التحدي الحقيقي ليس إطلاق العناوين، بل الاستمرار بخطوات عملية، قابلة للفهم والتنفيذ.
بالنسبة لنا في الحزب المدني الديمقراطي، لا يكفي أن نصف أنفسنا بيسار الوسط؛ علينا أن نترجم ذلك تنظيمًا، وخطابًا اقتصاديًا اجتماعيًا واقعيًا، وحضورًا بين الناس في الميدان، لا على المنصات فقط. الطريق طويل، وكل خطوة يجب أن تكون واضحة ومقنعة.
وفي الختام، لا بد من الإشارة إلى موقف الأمين العام للحزب، المهندس عدنان السواعيرالذي استلم مهمة وطنية كرئيس لمجلس مفوضي سلطة البترا التنموي السياحي، الذي آثر التنحي بعد فترة من قيادته، مفسحًا المجال لغيره. في السياسة، قلّما نرى هذا السلوك طوعًا. وهو، في تقديري، رسالة بأن العمل العام قيمة ومسؤولية، لا موقعًا دائمًا. مثل هذه الممارسات تعزز الثقة، وتؤكد أن ما نطمح إليه ليس مجرد خطاب عن الديمقراطية، بل ممارسة لها.


