12.1 C
Amman
الجمعة, فبراير 13, 2026
spot_img
الرئيسيةالمانشيتالسواعدة يكتب : من الملك عبد الله الأول الى وصفي مرورا بناهض...

السواعدة يكتب : من الملك عبد الله الأول الى وصفي مرورا بناهض وصولا إلى معاذ – منظومة الردع في الذهنية الأردنية

المستقل – كتب : د . عمر كامل السواعدة

تظهر الحالة الأردنية، عند تحليلها ضمن منهجيات الدولة الحديثة ونظريات العنف السياسي، بوصفها مثالا واضحا على اختلال العلاقة بين الفاعل الوطني والفاعل المعادي؛ فالحالة الطبيعية في الصراعات هي أن يعمل الخصم على محو هوية الطرف المقابل، أو إقصاء كيانه، أو استهداف رموزه، وذلك ضمن منطق الصراع ومقتضياته، إلا أن غير الطبيعي، والمفارقة التي تستوجب الدراسة والتحليل، تتمثل في أن البيئة الداخلية الأردنية باتت تشارك في إنتاج النتائج ذاتها التي يسعى إليها الخصم، من خلال تعطيل آليات الردع، وتخفيف/الغاء حدة الذاكرة الوطنية، وترك ملفات الدم معلقة من غير مساءلة أو محاسبة، الأمر الذي يخلق فراغا سياسيا يسمح للآخر بإعادة إنتاج فعلته مرارا.

يستند هذا السلوك إلى بنية مركبة من ثلاثة عناصر رئيسية: أولا، تفكك الوعي الجمعي نتيجة الروابط الهشة بين الدولة والمجتمع، وهو ما أدى إلى ضعف القدرة على تعريف العدو وتحديده ضمن إطار وطني واضح، وثانيا، تباطؤ منظومة الردع السياسي والاجتماعي بسبب غياب المتابعة التاريخية للجرائم السياسية، وعدم تحويل الاغتيالات والأحداث المفصلية إلى ملفات سيادية مغلقة تتم معالجتها بمنهجية دولة لا بمنهجية تسويات، وثالثا، إعادة تدوير العلاقات مع الأطراف المعادية دون اشتراط التغيير أو الاعتراف بالجريمة أو تقديم أي شكل من أشكال المسؤولية السياسية، وهو ما يفرغ المنظومة الوطنية من وظيفتها الأساسية في حماية الأمن الجمعي.

إن عدم ملاحقة قتلة الشخصيات الوطنية، وعدم مساءلة الجهات التي ارتكبت أفعالا ذات أثر استراتيجي على الأمن الوطني، لم يعد يقرأ فقط باعتباره تقصيرا إداريا أو قصورا سياسيا، بل بات يمثل اختلالا في وظيفة الجانب الرسمي ذاته. فالوظائف الرسمية في أي دولة حديثة تقاس بقدرتها على حماية رموزها، وضمان عدم تكرار الجريمة، واستخدام أدوات القانون والسيادة لإغلاق الملفات بقرار وطني حاسم. أما ترك الجريمة مفتوحة، وإعادة دمج المرتكبين أو حلفائهم ضمن مسارات العمل السياسي، فيعكس صورة مشهد رسمي يسمح نظريا وعمليا بتعطيل ذاته من الداخل.

وتظهر دراسة سلوك بعض الجانب الرسمي الأردني في أربعة حوادث مفصلة:

حادثة اغتيال الشهيد الملك عبد الله الأول عام 1951، تمثل أوائل المؤشرات الصارخة على هشاشة منظومة الردع الاردني تجاه الاعتداءات التي تستهدف رأس السلطة أو رموز السيادة. فاغتيال الملك المؤسس داخل المسجد الأقصى، وفي ظرف إقليمي شديد الحساسية، لم يُقابل بإنشاء معادلة ردع واضحة تحمّل الأطراف المنخرطة في التحريض أو التسهيل أو التواطؤ أي كلفة سياسية أو دبلوماسية. بل إن الاستجابة الرسمية اكتفت بمعالجة الحدث ضمن الإطار القضائي المباشر، من غير تحويله إلى نقطة فاصلة في إعادة تعريف علاقة الأردن بالفاعلين الذين شكّلوا بيئة ممكنة للجريمة.

هذا النمط من السلوك الأردني المبكر أسس لسياق واسع تُفهم من خلاله لاحقا حالات أخرى من غياب الفعل الردعي، كما في حادثتي وصفي التل ومعاذ الكساسبة، حيث يظهر بوضوح أن الإطار التاريخي للعلاقة بين الأردن ومحيطه لم يبن منذ البداية آليات جزاء أو رادع سياسي يُلزم الأطراف الأخرى باحترام حدود السيادة الأردنية. وبذلك، يصبح اغتيال الملك عبد الله الأول نموذجا تأسيسيا في قراءة كيفية تعامل المستوى الرسمي مع الاعتداءات الكبرى: حدث مفصلي لم يُستخدم لإعادة ضبط قواعد الاشتباك السياسي أو لبناء سياسة خارجية قائمة على فرض الكلفة، بل بقي ضمن مجال الاستيعاب الإداري، الأمر الذي فتح المجال لاحقا لتكرار أنماط مشابهة دون تغيير جوهري في المنهج.

اغتيال الشهيد وصفي التل في القاهرة عام 1971، واستشهاد الطيار البطل معاذ الكساسبة عام 2015 – تباينا واضحا في منهجية الردع وحدود الفعل السياسي، بما يكشف اختلافا في تعريف المخاطر وطبيعة الاستجابة الرسمية.

ففي حادثة الطيار البطل معاذ الكساسبة، تبنت الدولة وعلى رأسها جلالة الملك نموذجا مكتمل الأركان للردع العسكري والسياسي والإعلامي، حيث اعتبر استهدافه اعتداء مباشرا على الدولة وليس على فردٍ منها، فجاء رد الفعل سريعا، مركزا، وقائما على منطق “إعادة التوازن” من خلال ضربات جوية واسعة النطاق ضد أوكار التنظيم الذي ارتكب الجريمة، وهو ما عد رسالة سياسية واضحة: المساس بأي عنصر من عناصر القوة الوطنية يفتح المجال لفعل عقابي مباشر لا يقبل التردد. هذا النموذج يمثل المستوى الرسمي في لحظة تجسيد وظيفته السيادية: حماية مواطنيه، تأمين ردع شامل، وإغلاق الملف سياسيا من خلال إظهار القدرة على العقاب وعدم السماح بتكرار الجريمة.

على النقيض من ذلك، يكشف تحليل حادثة اغتيال الشهيد وصفي التل عن غياب شبه كامل لأدوات الردع السياسي والدبلوماسي؛ فاغتيال رئيس وزراء أردني على أرض دولة عربية، وإطلاق سراح القتلة بقرار قضائي مصري، ثم توفير الحماية الاجتماعية والسياسية لهم عبر زوجة الرئيس المصري آنذاك جيهان السادات – من دون أن تقابل هذه الإجراءات بأي رد رسمي على مستوى الحد الأدنى مثل سحب السفير أو تجميد العلاقات الدبلوماسية – يشير إلى خلل عميق في تعريف حدود الإساءة للوطن واعتداء الآخرين على رموزه.

إن المقارنة بين الحالتين لا تتعلق بطبيعة الشخص المستهدف، بل بطبيعة وظيفة بعض المتواجدين في الجانب الرسمي؛ في قضية وصفي، كان الاعتداء موجها إلى رأس حكومة أردنية، أي إلى مؤسسة دستورية تمثل الدولة نفسها، ومع ذلك لم تبن معادلة ردع، ولم ينتج موقف دبلوماسي يوازي حجم الحدث، ولم تستخدم أدوات السياسة الخارجية لفرض كلفة على الطرف الذي وقع الاغتيال على أرضه أو على الطرف الذي احتفى بالفاعلين.

ويمثّل اغتيال شهيد الوطن ناهض حترعام 2016، وهو الذي أفنى عمره مدافعا عن هوية الأردنيين وتاريخهم، مثالا إضافيا على تفكك منظومتي الردع الرسمي والمجتمعي في الأردن، وإعادة إنتاج النمط ذاته من الاستهداف دون أن يقابله إطار حاسم يعيد تثبيت حدود حماية الفاعل الوطني. فقد جرى اغتيال حتر على خلفية خطاب فكري وسياسي، ضمن بيئة اتسمت بتصاعد التحريض ومن دون وجود تدخل استباقي من الجهات الرسمية لاحتواء المناخ الذي سبق الجريمة أو ضبط الجهات المحرّضة أو تفكيك الخطاب الذي أتاح الاستهداف. كما لم تُبن بعد الحادثة معادلة ردع تمنع تكرار الظروف التي أنتجتها، سواء على مستوى المحاسبة الرمزية للجهات التي لعبت دورا في التحريض أو على مستوى صياغة سياسة رسمية تعلن بوضوح أن الاعتداء على شخصيات عامة داخل الحيز الوطني هو اعتداء على الأمن العام نفسه. وإلى جانب ذلك، لم يسجّل المجتمع الأردني استجابة فاعلة تعكس حدا أدنى من الحماية المعنوية لشخص قُتل بسبب موقعه في الساحة الفكرية، إذ بقي التفاعل ضمن إطار محدود يعكس – مثل سوابق أخرى – غياب الدور المجتمعي في الدفاع الرمزي عمن يُستهدفون لأنهم يعملون على إنتاج خطاب وطني أو ثقافي أو سياسي. ومن ثمّ، يشكّل اغتيال حتر حلقة إضافية في سلسلة وقائع تُظهر أنّ الجانب الرسمي والمجتمعي معا لا يبنيان بنية ردعية تحمي المفكرين والفاعلين العموميين، وأنّ هذا الفراغ البنيوي يسمح بتكرار الاعتداءات دون كلفة سياسية أو اجتماعية تُذكر.

وتكشف تجربة ناهض حتر – عند وضعها ضمن الإطار التحليلي لتفكك الردع الرسمي والمجتمعي – عن بعد إضافي أكثر تعقيدا، يتمثل في أن عملية الاغتيال لم تكن فعلا منفصلا عن البيئة التي سبقته، بل جاءت نتيجة تراكمات صنعها القصور الرسمي والفراغ المجتمعي معا. فقول إننا “خذلنا ناهض وشرعنا اغتياله” ليس توصيفا أدبيا، بل توصيفا بنيويا: فقد ترك الرجل في مواجهة موجة تحريض واسعة، من دون تغطية مجتمعية يفرض كلفة معنوية على الجهات التي مارست التحريض. وبذلك، أصبح الاستهداف نتيجة مباشرة لبيئة تم فيها تفكيك حمايته قبل لحظة إطلاق النار.

فالخذلان هنا ليس شعورا ذاتيا، بل نمطا مؤسسيا: ترك فرد يعمل في الحيز العام مكشوفا أمام خطاب تعبوي، ثم جعله يتحمل وحده الكلفة الكاملة لغياب الردع ووهن البنية الحامية. وحين تُفكك منظومة الردع بهذا الشكل، يصبح الاغتيال – من منظور التحليل السياسي – امتدادا لعملية اغتيال معنوي سبقت التنفيذ المادي، شارك فيها المستوى الرسمي بصمته وتقاعسه، وشارك فيها المجتمع بغياب الدفاع الرمزي عنه، فتمّت “شرعنة” استهدافه مسبقا عبر مزاج عام لم يُواجه ولم يُضبط. وهكذا، يصبح توصيف “شرعنا اغتياله” توصيفا لحالة تفكك وظيفي وليست حكما أخلاقيا، وهو ما يضع حادثة حتر ضمن النموذج نفسه الذي يعيد إنتاج القتل السياسي في الأردن من دون بنية ردع تمنع تكراره.

ويتجلى الخطر الأكبر في أن هذا النمط من السلوك الرسمي ينتج بيئة تسمح للآخر بإعادة كتابة التاريخ بطريقة تضعف سردية الدولة. فعندما يسمح للخصم بالعودة إلى الفضاء السياسي دون محاسبة، وعندما تمحى الذاكرة المؤسسية لجرائمه، يصبح من المتاح إعادة التشكيك في شرعية الشهداء، وتقويض مكانتهم في الوجدان العام، بل وفتح المجال لإعادة استهدافهم معنويا بعد استهدافهم جسديا، وهذه ليست عملية رمزية، بل عملية تدميرية مفهومها السياسي واضح: إزالة أدوات الردع وإعادة تمكين الخصم ليكرر الفعل نفسه بصورة جديدة.

وإلى جانب التباين الرسمي في سلوك الجهات المعنية، يظهر عنصر آخر لا يقل أهمية عند تحليل الحالة الأردنية، وهو سلوك المجتمع نفسه تجاه رموزه وتجاه من يمثلون امتدادا لوعيه التاريخي؛ فالأردنيون، بوصفهم جماعة سياسية، يمارسون بدورهم أنماطا غير مفهومة من اللامبالاة المعنوية، حيث لا تسجل استجابة جمعية أو حتى فردية لحماية الشخصيات التي تعمل في المجال الوطني أو الثقافي أو السياسي دفاعا عن الهوية أو التاريخ أو الذاكرة العامة، وهذا السلوك لا يتعلق بالمعاقبة الفعلية – إذ إن ذلك من اختصاص الجهات الرسمية – بل يتعلق بالحد الأدنى من الرد المعنوي، أي الدفاع الرمزي، وتثبيت الرواية، ومواجهة الخطابات المضادة التي تستهدف تلك الرموز.

وتظهر التجربة الأردنية أن الهجوم على الشخصيات الوطنية، أو محاولة اغتيالها معنويا، أو التحريض ضدها، لا يقابل عادة بأي فعل اجتماعي، لا في الكتابة ولا في الخطاب ولا في المساحة العامة، انظر مثلا، كيف تم اغتيال تاريخ وصفي، انظر كيف خسرنا ناهض ولم تتمعر وجوهنا. وهذا ينتج مفارقة إضافية: فمن الطبيعي في الحالة الأردنية أن تستهدف شخصية تعمل على حماية الهوية أو الدفاع عن الإرث أو صيانة الوعي الجمعي، وأن تتم عملية اغتيالها معنويا أو تشويهها أو التحريض عليها، بينما لا يسجل من المجتمع أي رد فعل يقابل مستوى الاستهداف. هذا الغياب لا يفسر فقط بوصفه ضعفا في الارتباط الجمعي، بل بوصفه إحدى الظواهر البنيوية التي تسمح للآخر – خارجيا أو داخليا – بأن يعيد تشكيل الحكاية الوطنية، وأن ينتج فراغا في الحماية الرمزية للفاعل الأردني.

وبهذا، يصبح غياب الرد المعنوي من المجتمع عاملا موازيا لغياب الرد الرسمي من الجهات المعنية، ما يؤدي في المحصلة إلى نتيجة واحدة: نحن لا ننتج منظومة حماية متكاملة للرموز الوطنية، سواء على مستوى المؤسسات أو على مستوى الوعي الشعبي، وهو ما يسمح بتمدد الاستهداف وبقائه من دون كلفة تذكر.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -

اقرأ ايضا