المستقل – كتب : م . قصي محمد حرب
عندما يُفتح ملف تعديل قانون الضمان الاجتماعي، يُقدَّم عادة تحت عنوان واحد: حماية الاستدامة المالية للصندوق. لكن أي نقاش جاد لا بد أن يتجاوز هذا الشعار إلى سؤال أكثر عمقاً: استدامة على حساب من، وبأي كلفة اجتماعية؟
التعديلات المتداولة بشأن رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً للذكور و60 عاماً للإناث، ورفع عدد الاشتراكات اللازمة للتقاعد المبكر إلى 360 اشتراكاً، لا يمكن النظر إليها كإجراءات فنية محايدة. فهي تمسّ التخطيط الحياتي والمالي لمئات الآلاف من المشتركين الذين بنوا قراراتهم المهنية والأسرية وفق قواعد مستقرة لسنوات طويلة.
لنفترض – على سبيل المثال – أن عدد المشتركين الفاعلين يقارب 1.4 مليون مشترك، مقابل نحو 300 ألف متقاعد. في حال تم رفع سن التقاعد عامين إضافيين، فقد يؤدي ذلك إلى تأجيل تقاعد ما بين 40 إلى 60 ألف مشترك خلال السنوات الأولى من التطبيق. مالياً، قد يعني ذلك تخفيفاً في النفقات السنوية بمئات الملايين من الدنانير.
لكن في المقابل، ومع معدلات بطالة شبابية تتجاوز 20%، فإن تأخير خروج هذه الأعداد من سوق العمل ينعكس مباشرة على فرص الداخلين الجدد. فهل تتم معالجة عجز مالي محتمل عبر تعقيد معادلة البطالة؟ وهل ننتقل من ضغط على صندوق التقاعد إلى ضغط على سوق العمل؟
أما اشتراط 360 اشتراكاً للتقاعد المبكر (أي 30 عاماً من العمل)، فلو افترضنا أن نحو 35% من المشتركين لا يملكون مساراً وظيفياً مستقراً يسمح بإكمال هذه المدة المتصلة، فإن خيار التقاعد المبكر يصبح نظرياً أكثر منه واقعياً. في سوق عمل يتسم بالتنقل الوظيفي وعدم الاستقرار، قد يتحول هذا الشرط إلى عبء إضافي بدلاً من كونه أداة تنظيم مالي.
من زاوية أخرى، إذا افترضنا أن متوسط الراتب الخاضع للاقتطاع يبلغ 700 دينار، وأن نسبة الاشتراك الكلية تقارب 21% بين العامل وصاحب العمل، فإن إجمالي الاشتراك الشهري يصل إلى نحو 147 ديناراً. وعلى مدار 30 عاماً، يتجاوز مجموع الاشتراكات 52 ألف دينار دون احتساب عوائد الاستثمار. هنا يصبح من المشروع أن يسأل المشترك: ما العائد العادل مقابل مساهمة طويلة بهذا الحجم؟ وهل تُدار هذه الأموال بكفاءة تحقق أفضل منفعة ممكنة؟
وفي ظل الحديث عن تحميل المشتركين كلفة الإصلاح، يبرز ملف العلاقة المالية بين الحكومة والصندوق. فإذا كانت هناك التزامات مترصدة في ذمة جهات رسمية، فإن البدء بمعالجتها أو جدولتها يمثل خطوة إصلاحية أكثر اتزاناً من تعديل شروط الاستحقاق مباشرة. الإصلاح المتوازن يبدأ من مكامن الخلل الكبرى قبل الانتقال إلى جيب المشترك.
القضية لا تتعلق برفض الإصلاح، بل برفض اختزاله في رفع سن أو زيادة اشتراطات. الإصلاح الحقيقي يجب أن يشمل إدارة الاستثمارات، الحوكمة، شفافية التقارير الاكتوارية، وكفاءة الإنفاق. كما يجب أن يُدار بتدرج مدروس يراعي العدالة بين الأجيال ويحفظ الحقوق المكتسبة، لا أن يُفرض كإجراء أحادي.
رسالتي المباشرة لصنّاع القرار
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي نظام ضمان اجتماعي ليس العجز المالي، بل تآكل الثقة.
الأرقام يمكن تعديلها بخطة زمنية مدروسة، أما الثقة فإذا اهتزت فإن كلفة استعادتها أعلى بكثير من أي فجوة اكتوارية.
إذا كان لا بد من إصلاح، فليكن شاملاً، شفافاً، ومبنياً على حوار وطني حقيقي تشارك فيه النقابات، وأصحاب العمل، والخبراء الاكتواريون، وممثلو المشتركين.
وليكن واضحاً أن كلفة الإصلاح يجب أن تُوزَّع بعدالة بين جميع الأطراف، لا أن تتركز في طرف واحد هو المشترك.
الضمان الاجتماعي ليس مجرد صندوق مالي؛ إنه تعبير عملي عن العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. وأي تعديل يُعاد من خلاله تعريف هذا العقد يجب أن يتم بإجماع، لا بقرار أحادي.
الإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بتوازن الأرقام، بل بقدرة المؤسسة على الحفاظ على ثقة من يمولونها.


