المستقل – كتب : العميد المتقاعد هاشم المجالي
يحسب بعض الناس – وهم واهمون – أن من يرفع صوته ناقدًا، أو يكتب كلمة موجوعة، إنما يطعن الوطن في خاصرته، أو يخاصم ترابه، أو يتنكر لفضله. وما علموا أن أقسى أشكال الخيانة هي الصمت، وأن أشرف ألوان الوطنية هو الصدق، ولو كان مُرًّا كالعَلْقم.
نحن لا نجلد الوطن، فالوطن أكبر من أن يُجلَد، وأسمى من أن يُهان، وأطهر من أن يُتَّهم. وإنما نوجّه سوط الكلمة إلى من تولّوا أمره فأخطأوا، وإلى من أمسكوا بزمام قراراته فأضاعوا، وإلى من جعلوا من مواقع المسؤولية مغانم لا أمانات، ومن آلام الناس سلالم للصعود والكسب.
كتبتُ عن الطب، لا لأنني أبغضه، بل لأنني أحب الإنسان الذي يُفترض أن يكون الطب ملاذه الأخير. كتبتُ عن طبٍّ نزع عنه بعض ممارسيه ثوب الرحمة، ولبسوا فوقه ثوب التجارة، حتى غدا المريض رقمًا، والوجع فاتورة، والخوف صفقة رابحة.
كم من عِلّةٍ يسيرة كان دواؤها كلمة صادقة أو حبة دواء، فصُوّرت للناس داءً عضالًا، وكم من قلبٍ سليم أُرعب بتشخيص كاذب، وكم من بيتٍ دخلته الكآبة، ففُتحت فيه مصاحف العزاء قبل أوانها، وبُكيت فيه أرواح لم تكن بعد قد فارقت الأجساد. ثم ما لبث أن ظهر الحق، فإذا بالتشخيص وهم، وإذا بالمأساة جريمة، لا خطأً عابرًا.
ولستُ أتحدث عن حالةٍ شاذةٍ يُغتفر لها الخطأ، بل عن ظواهر تتردد على الأسماع كما يتردد الأنين في غرف الانتظار: مريضٌ دخل لعملية بسيطة فلم يخرج، وآخر قصد علاجًا روتينيًا فكان قبره أقرب من شفائه.
وما قيمة عمليةٍ يُقال إنها نجحت، إن كان صاحبها لم ينجُ بالحياة ؟ أفيُكتب النصر للجراحة ويُهزم الإنسان ؟
ثم ننتقل إلى التعليم، ذلك الجرح الآخر الذي ينزف بصمت.
أبناؤنا – وهم أمل الغد – صاروا حقول تجارب، كلما تبدّل وزير تبدّلت المصائر، وكلما جاء فكر جديد دُفعت الأجيال ثمنه. من امتحانٍ واحد إلى اثنين، ومن نظامٍ إلى نقيضه، ومن مناهج تُكتب على عجل إلى وحدات تُحذف بلا تفسير، حتى غدا الطالب تائهًا، لا يدري أي طريق يسلك، ولا أي مستقبل ينتظر. أيربى العقل على القلق؟ أويُصنع العلم بالفوضى؟
ومع ذلك كله، لم يفقد هذا الوطن أمنه، ولا نضب خيره، ولا خانته أرضه، ولا خذلته قيادته الهاشمية، التي ما انفكت تُرسل الرسائل وتُلقي الخطب، ولو أُخذ بها حق الأخذ، لما بلغنا هذا الدرك من التخبط وسوء الإدارة.
إن ما فقده الوطن ليس هيبته، بل بعض رجاله؛ أولئك الذين يخافون الله قبل المناصب، ويخشون على الوطن أكثر من كراسيهم، ويتخذون القرار الشجاع دون انتظار إشارة من وراء البحار أو همسة من وراء الأبواب.
ومع كل هذا الوجع، ومع كل هذا الغضب، نقولها بصدق لا يعرف المساومة: نحن نحب هذا الوطن، وقد خدمناه، وسنظل نخدمه، ولم ولن يتغير انتماؤنا له، ولا ولاؤنا لقيادته الهاشمية، مهما أثقلت قلوبنا الخيبات.
حفظ الله الوطن، وحفظ شعبه، وحفظ قيادته… وجعل الصدق طريق الإصلاح، لا تهمته.


