5.1 C
Amman
الثلاثاء, يناير 20, 2026
spot_img
الرئيسيةالمانشيتالنُزل البيئي في محمية اليرموك… عندما تتحول الطبيعة إلى فرصة تنموية مستدامة

النُزل البيئي في محمية اليرموك… عندما تتحول الطبيعة إلى فرصة تنموية مستدامة

المستقل – بقلم أ . د . حكم سالم شطناوي

في وقت تتجه فيه دول العالم إلى الاستثمار في السياحة البيئية بوصفها أحد أكثر أنماط السياحة نمواً واستدامة، جاء افتتاح النُزل البيئي في محمية اليرموك شمال المملكة الأردنية الهاشمية ليؤكد أن الأردن يسير بخطى واثقة نحو بناء نموذج سياحي حديث يوازن بين حماية البيئة وتحقيق التنمية الاقتصادية للمجتمعات المحلية.

ويُعد هذا المشروع إحدى مبادرات جلالة الملك عبدالله الثاني، حيث يجسّد النُزل البيئي في منطقة أم قيس رسالة واضحة تؤكد أن التنمية المتوازنة للأقاليم، ولا سيما المحافظات الشمالية، تحظى باهتمام مباشر من القيادة الهاشمية، وأن الاستثمار في الطبيعة لم يعد خياراً ترفيهياً، بل ضرورة اقتصادية وتنموية وطنية. ويمثل النُزل البيئي في محمية اليرموك نموذجاً متقدماً في تنويع المنتج السياحي الأردني، حيث يفتح المجال أمام أنماط سياحية جديدة مثل سياحة الطبيعة، والسياحة البيئية، وسياحة المغامرات، ومراقبة الطيور، إلى جانب ربط هذه الأنماط بالسياحة الأثرية في أم قيس وطبقة فحل. وبهذا تتحول محافظة إربد من محطة زيارة سريعة إلى وجهة إقامة وتجربة سياحية متكاملة.

ولا تقتصر أهمية المشروع على بعده السياحي فقط، بل تتجاوز ذلك إلى بعده البيئي العالمي، إذ يقع النُزل في واحدة من المناطق المصنفة عالمياً ضمن برنامج “الإنسان والمحيط الحيوي”، وعلى أحد أهم مسارات هجرة الطيور واستراحتها، ما يمنحه قيمة بيئية وعلمية وسياحية في آن واحد.

ويتميز المشروع بتصميم معماري متجانس مع البيئة الطبيعية المحيطة، يحترم خصوصية المكان ويعكس هويته الجمالية والتراثية، حيث يتكون من عشرين شاليهاً وبيت ضيافة يضم عشر غرف، ليقدم تجربة إقامة هادئة ومستدامة لزوار المحمية.

الأهم من ذلك أن النُزل البيئي يقدم نموذجاً عملياً لربط السياحة بالتنمية المحلية المستدامة، إذ يُدار المشروع من قبل أبناء المجتمع المحلي ويوفر عشرات فرص العمل المباشرة، إلى جانب فرص غير مباشرة في مجالات الصناعات اليدوية، والمنتجات الغذائية البلدية، وخدمات النقل والرحلات السياحية.

بهذا المعنى، لم يعد المجتمع المحلي مجرد متلقٍ للخدمة السياحية، بل أصبح شريكاً فاعلاً في التخطيط والإدارة والاستفادة، وهو ما يعزز روح الانتماء والمسؤولية تجاه حماية الموارد الطبيعية، ويحوّل البيئة من عبء إلى مصدر دخل مستدام.

إن النُزل البيئي في محمية اليرموك ليس مجرد منشأة سياحية، بل هو رسالة وطنية بأن التنمية الحقيقية تبدأ من الاستثمار الذكي في الموارد الطبيعية، وبأن السياحة البيئية قادرة على أن تكون رافعة اقتصادية حقيقية للمحافظات، ومصدراً دائماً للفخر بالهوية البيئية والحضارية للأردن.

وفي ظل التحديات الاقتصادية والبيئية التي يشهدها العالم اليوم، فإن مثل هذه المشاريع تمثل الطريق الأمثل نحو تنمية متوازنة تحفظ الطبيعة وتكرّس الإنسان محوراً للتنمية وغايتها.

الأستاذ الدكتور حكم سالم شطناوي- أستاذ السياحة وإدارة الضيافة – جامعة اليرموك

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -

اقرأ ايضا