المستقل – كتب : عوني الداوود
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يشعل جبهات العالم، ويفتح أكثر من جبهة في آن واحد من أجل (إلهاء) كل دولة في العالم بما يهمها أولًا.. وحتى يتمكن هو من الانقضاض على أهدافه فيحققها واحدًا تلو الآخر دون تمكين أي دولة حتى من الاعتراض على ما يفعل أو ما سيفعل.. والدلائل على ما أقول ما يلي:
1-استهداف «فنزويلا» في أمريكا الجنوبية حصّن أمريكا من أية (اختراقات محتملة) قد تأتيه من القارة الجنوبية.. مهددًا بإحياء نظرية «مونرو» حمايةً للمصالح الأمريكية.
2-استهداف «جزيرة غرينلاند» أشغل أوروبا غربًا، كما هي منشغلة شرقًا، منذ سنوات بسبب الحرب الروسية-الأوكرانية.. اليوم كل أوروبا مستنفرة لإنقاذ وجودها وهيبتها.
3-استهداف إيران (وهو الهدف الرئيس ذو الأولوية – على ما يبدو) بات يأخذ أكثر من صورة ومشهد.. حيث يستمر قرع طبول الحرب المتواصلة – أصلًا – إعلاميًا واستخباراتيًا وسيبرانيًا.. ومحاولات خلق الفوضى في الشارع الإيراني مستمرة.. والأخبار تشير أن ما تبقى على الجبهة الإيرانية – تحديدًا – إعلان ساعة الصفر لبدء حرب لن تُعرف عقباها وكيف ستنتهي هذه المرّة لأنّ المعطيات تغيّرت عمّا بدت عليه في حرب الـ12 يومًا.. فإيران باتت أكثر حذرًا واستعدادًا بعد امتصاص الضربات وإعادة حساباتها.. وربما وضعت سيناريوهات جديدة للتعاطي مع أي هجوم مرتقب.
إسرائيل تدرك ذلك، وهي تستعد لوجستيًا وعسكريًا لردّات الفعل الإيرانية، وإسرائيل تحضّر مزيدًا من الملاجئ وتزيد من سعة التخزين الغذائي والدوائي.. عدا عن التسليح لمواجهة الخطر الإيراني.
الولايات المتحدة ترسل مزيدًا من قواتها للمنطقة وحاملات طائرات.. كما أنّ قواعدها العسكرية في المنطقة اتخذت الاحتياطيات اللازمة وبصور متعددة.
كثير من دول العالم ناشدت رعاياها بمغادرة إيران فورًا.
كل هذه المؤشرات، وغيرها، تؤكد بأن قرار الحرب ضد إيران ربما يكون قد اتُّخذ، بانتظار «ساعة الصفر».
ولكن.. هناك سؤال يطرح نفسه: لماذا طبول الحرب على إيران هذه المرّة أيضًا؟.. الأسباب متعددة ومنها:
أ)-هناك فرصة تاريخية لإسرائيل (نتنياهو تحديدًا) للسيطرة على الإقليم بالتمام والكمال.
ب)-أمريكا لم تعد منطقة الشرق الأوسط تمثل لها أولوية متقدمة – كما كان الحال عليه سابقًا – وهذا مثبت في (الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي)، ولم يعد يهم أمريكا في المنطقة سوى تمكين إسرائيل من فرض سيطرتها المطلقة على المنطقة، ومنع أية قوة أخرى من تهديد إسرائيل.. متى وأينما وجدت.
ج)-مصلحة الولايات المتحدة ضرب المصالح الصينية (المنافس الحقيقي لها في العالم)، ومن هنا نقرأ ضرب المصالح الصينية في فنزويلا (60% من صادرات النفط الفنزويلي تُصدّر إلى الصين).. ومنع الصين وروسيا من السيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية عبر «غرينلاند».. وضرب المصالح الصينية في الشرق الأوسط (تُعدّ الصين الشريك التجاري الأول مع دول الشرق الأوسط والخليج العربي تحديدًا وذلك من خلال (الحزام والطريق)).
د)-(أمريكا/ترامب) تريد إقامة مشاريع إقليمية قاريّة عالمية، ولن يتحقق ذلك بوجود تهديدات إيرانية.. وفي مقدمة المشاريع (مشروع الطريق التجاري الجديد من الهند إلى أوروبا مرورًا بدول الخليج والشرق الأوسط).
ه)-خطة الرئيس ترامب للسلام.. أو مشروع إعادة بناء غزّة – وفقًا لخطة الرئيس ترامب للسلام – لا يمكن تحقيقها في ظل وجود تهديدات إيرانية.
و)-الإدارة الأمريكية تريد إنهاء كل شيء سريعًا قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، والتي قد تغيّر المعادلة إن تفوّق الديمقراطيون، وعندها لن يتمكن ترامب من تنفيذ كل ما يريده كما يفعل الآن.
*باختصار:
سياسة «خلط الأوراق» والضغط بفتح مزيد من الجبهات.. جزء من سياسة ترامب لتحقيق أهدافه.. وفتح جبهات متعددة جزء من عملية (الإلهاء) وتفكيك التحالفات والاتحادات يمكّنه من تحقيق أهدافه بالترهيب والوعيد وزيادة الرسوم الجمركية و»الخنق الاقتصادي».. أو بالترغيب والحوافز!
ضرب إيران تحديدًا يعني تغيير خارطة العالم وموازين القوى في المنطقة والعالم، ويجعل من «أمريكا أولًا» في كل شيء، ويجعل أمريكا عظيمة وقوية – كما يريد ترامب وتحت ذريعة الأمن القومي الأمريكي – بالسيطرة على اقتصاد العالم ومقدّرات الطاقة والمضائق المائية العالمية، والتحكم بسلاسل التوريد، وفعل أي شيء يجعل من أمريكا أولًا حتى لو تطلّب ذلك إنهاء «الناتو» و»مجلس الأمن» و»الأمم المتحدة».. وبناء عالم جديد تحكمه أمريكا بكل تفاصيله.
يبقى السؤال: كيف ستواجه دول العالم «إعصار ترامب».. هل سترفع الراية البيضاء مبكرًا أم يجعلها ذلك أقرب إلى إعادة ترتيب أوراقها، وتجعل من الاتحاد قوة في مواجهة أطماع ليس لها حدود؟
“الدستور”


