قال خبراء في العلاقات الدولية إن من أبرز دلالات تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، التي عُنونت بـ”مرحلة جديدة في سوريا تتم إدارتها بهدوء”، هو التجهيز لقرار من قوى دولية لتقسيم سوريا.
وأوضح الخبراء، في حديث، أن تصريحات الرئيس التركي تُظهر اطمئنانه إلى غض الولايات المتحدة الطرف عن دور الجماعات المسلحة المتشددة في العملية العسكرية التي تشهدها سوريا، فضلا عن وجود دعم من أمريكا وإسرائيل لإسقاط الحكومة السورية، ومن ثم تكوين مجلس انتقالي في سوريا، تطبيقا للقرار الأممي 2254.
تغيرات ميدانية كبيرة
والقرار الأممي 2254، اتخذ بالإجماع من مجلس الأمن، في ديسمبر 2015، ويتعلق بوقف إطلاق النار في سوريا، والتوصل إلى تسوية للوضع فيها عبر عملية سياسية شاملة تحت إشراف الأمم المتحدة، تستند إلى إعلان جنيف 2012، بما في ذلك تشكيل حكومة انتقالية ذات صلاحيات كاملة، تتكون من ممثلين عن النظام والمعارضة، مع إجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة وبمشاركة جميع السوريين؛ بهدف الوصول إلى حكومة ديمقراطية في سوريا، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وفقا لدستور جديد.
وكان أردوغان قد قال، في اتصال مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إن الصراع السوري وصل إلى مرحلة جديدة تتم إدارتها بهدوء”، وإنه “في هذه المرحلة، يجب على النظام السوري إشراك شعبه بشكل عاجل من أجل التوصل إلى حل سياسي شامل.
تأتي تصريحات أردوغان في وقت تشهد فيه سوريا تغيرات ميدانية كبيرة، مع سيطرة فصائل المعارضة على مساحات واسعة من الأراضي، بما في ذلك مدن استراتيجية مثل حماة وحلب، وتقدمها نحو مدينة حمص.
التجهيز لقرار دولي
يقول الباحث السياسي عمران منصور إن دلالات تصريحات أردوغان تعتمد على ما يتم تجهيزه من قرار دولي بتقسيم سوريا، بالإضافة إلى اطمئنانه لغض أمريكا الطرف عن الجماعات المسلحة المتشددة التي تقوم بالعمليات في الشمال السوري وصولا إلى حماة أخيرا.
ويضيف منصور، في حديث، أن تصريحات أردوغان تُظهر العمل بجدية لإسقاط النظام السوري، وتكوين مجلس انتقالي لتطبيق القرار 2254، وهو ما يحصل على دعم لدور تركيا في هذا الصدد من أمريكا وإسرائيل.
واعتبر منصور أن مصالح أنقرة تلاقت مع مصالح واشنطن وتل أبيب في إضعاف الوجود الروسي في سوريا في ظل انشغال موسكو بأوكرانيا، بالإضافة إلى الرغبة في التخلص من ميليشيا “حزب الله” كداعم للنظام السوري وممثل للوجود الإيراني في سوريا، بعد الحرب التي جرت في لبنان، في ظل محاولة القضاء على الميليشيا اللبنانية بشكل جاد.
وأضاف أن ما يجري في الداخل السوري هو محاولة لتحقيق هدف تركيا في وأد الحلم الكردي من خلال ما تشهده المنطقة من تنامي طموح بناء دولة كردية، وهو ما تتخوف منه أنقرة، وعلى الرغم من اتفاق أهداف أمريكا وإسرائيل مع مصالح تركيا في إضعاف التواجد الإيراني على حدود تركيا الجنوبية، فإن الكرد في سوريا ما زالوا يحظون بدعم أمريكي ولكن بشروط أمريكية قابلة للإلغاء في حال عدم عمل القوى الكردية على توحيد قرارها تحت سقف مجلس حكم جديد، يتفاوض مع المعارضة والأتراك في مستقبل سوريا الجديدة.
دعم تركي لفصائل المعارضة
في حين يرى الخبير في العلاقات الدولية، عادل مطاوع، أن تصريحات أردوغان تُظهر دعم بلاده للفصائل المسلحة ودورها في إسقاط النظام في سوريا، بعد أن حاول الرئيس التركي مرارا الوصول إلى توافق مع اتفاق “أستانا” مقابل 3 شروط.
وبيّن مطاوع، في حديث، أن الشرط الأول لـ”أردوغان” في إطار السير بـ”أستانا” هو تفكيك قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من جانب النظام السوري، أما الثاني، فيتمثل في عودة اللاجئين السوريين من بلاده في ظل ما يشكلونه من ضغوط اقتصادية، والثالث هو التوصل إلى حل سياسي مع المعارضة، وهو ما لم تقبله دمشق لعدة اعتبارات، من بينها التحالف مع طهران الذي يحمل امتناع إيران عن إيجاد حل سياسي في سوريا ورغبتها في إبقاء الوضع على ما هو عليه.
وأضاف مطاوع أن أردوغان خرج بهذه التصريحات في ظل ما باتت عليه الأوضاع في سوريا اليوم، التي تقف على مفترق طرق، مع تقليل النفوذ والدعم الروسي، الذي قد يُظهر احتمالية وجود اتفاق من تحت الطاولة بين أنقرة وموسكو للضغط على الأسد من أجل تخفيف التموضع الإيراني في سوريا.
وبرهن مطاوع على ذلك بما جاء عقب زيارة الأسد أخيرا إلى روسيا بشأن ضرورة الذهاب إلى حل سياسي في بلاده، والرجوع إلى اتفاق “أستانا” دون إخلال بما جرى من قبل بانتشار الميليشيات الإيرانية، وهو ما رفضه الأسد، ما أدى إلى تراجع الدعم الروسي المطلوب.
بُعد إقليمي
ويرى الباحث السياسي، أحمد مظهر سعدو، أن دلالات تصريحات أردوغان الأخيرة هي أن العملية العسكرية التي بدأت من الشمال السوري وانتقلت إلى حماة، وتسير إلى مواقع ومدن أخرى لصالح فصائل المعارضة، لها بعد إقليمي ودولي للتخلص من نظام الأسد وإنهاء وجود أبرز حلفائه إيران في الداخل السوري، وما يشكل في هذا الصدد من خطوط إمداد إيرانية إلى دول سوريا ولبنان.
وقال مظهر، في حديث، إن تركيا تريد الوصول إلى حالة من التوافق لجميع التيارات السورية، إنفاذا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة التي تم تعطيلها وكان لها انعكاس على تركيا.
وتابع مظهر بأن ما يجري في سوريا يحمل ملامح تغيير حقيقي، أصبح قاب قوسين أو أدنى من إتمامه، لعدة أهداف؛ أهمها إسقاط النظام، وإنهاء الوجود الإيراني في الداخل السوري.


