22.1 C
Amman
الأربعاء, أبريل 22, 2026
spot_img
الرئيسيةفلسطينبالصور .. "مها أبو خليل" مناضلة فلسطينية ثمانينية اغتالتها إسرائيل

بالصور .. “مها أبو خليل” مناضلة فلسطينية ثمانينية اغتالتها إسرائيل

المستقل – ربما لم يخطر في بال المناضلة الفلسطينية مها ابو خليل، أنها ستكون هدفًا لإسرائيل وهي في العقد الثامن من عمرها؛ لكن كيان الاحتلال القائم على البطش والانتقام اغتالها بجريمة قصف وحشية على لبنان.

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، وصور تترقّب، وفي مكانٍ ما من المدينة التي أبت أن تغادرها طوال 45 يوماً من القصف الإسرائيلي المتواصل، كانت المناضلة الفلسطينية مها أبو خليل تعيش لحظاتها الأخيرة.

لم تكن تعلم أن دقائق معدودة تفصلها عن إعلان وقف إطلاق النار، لم يرد في ذهن أحد أن الغارة الأخيرة ستطال أربعة مبانٍ سكنية في آنٍ واحد، وأن امرأةً في الثمانين من عمرها، حملت كل هذا التاريخ في صدرها، سيعثر عليها تحت الركام.

واغتالت إسرائيل المناضلة أبو خليل في غارة على مدينة صور، مساء 17/4/2026، قبل دقائق قليلة من إعلان وقف إطلاق النار، بعد استهداف أربعة مبانٍ سكنية سُوّيت بالأرض، لتكون من بين المفقودين تحت الركام.

طفلة من القليلة

ولدت مها أبو خليل عام 1946 في مدينة صور، ونشأت في القليلة، تلك البلدة الصغيرة المتشبثة بتراب الجنوب في قضاء صور، حيث تتشابك الأرض والهوية والذاكرة حتى يصعب الفصل بينها.

لم تكن القضية الفلسطينية بعيدةً عن أهل الجنوب اللبناني؛ كانت حاضرةً في كل حديث، في كل مخيم، في كل خبر يصل عبر الراديو عن ما يجري خلف الحدود.

في تلك البيئة، تشكّل وعي مها الأول، ووجدت في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إطاراً يجمع بين اليقين وفعل المقاومة.

انخرطت في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتحديداً ضمن ما كان يعرف بـ المجال الخارجي تحت قيادة المناضل الراحل وديع حداد، وآمنت مبكراً بأن القضية الفلسطينية هي قضية قومية وإنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية.

أثينا 1969: شارة النصر خلف القضبان

في ديسمبر 1969، كانت مها في الثالثة والعشرين من عمرها حين أقدمت على ما لم تقدم عليه كثيرات، حيث شاركت مع رفيقين لها في محاولة السيطرة على طائرة تابعة لشركة العال الإسرائيلية في العاصمة اليونانية أثينا.

اعتقلت مها أبو خليل مع رفيقيها أثناء صعودهم إلى الطائرة، وخضعوا لمحاكمة في اليونان بتهمة حيازة متفجرات بشكل غير قانوني .

لكن كاميرات المحكمة التقطت ما لم يتوقعه المدّعون العامون: امرأةٌ بكامل أناقتها، واثقة الخطى، ترفع شارة النصر أمام القضاة. لم تبد كمتهمة، بل كمن تحتلّ المنصة لتعلن موقفاً.

أفرج عنها في أغسطس عام 1970، بعد أن نجحت الجبهة الشعبية، بالاشتراك مع جبهة النضال الشعبي، في تحريرهم مع عدد من المعتقلين في اليونان بعد خطف طائرة للخطوط الجوية اليونانية في يوليو 1970.

وفي عمّان، عقدت مها مؤتمرها الصحفي بعد الإفراج عنها، وعادت إلى ميادين النضال بإرادةٍ أشدّ.

دكتوراه في الإعلام

لم تكن المقاومة عند مها أبو خليل رصاصةً فحسب، بل فكراً أيضاً. حصلت على شهادة الدكتوراه في الإعلام من جامعة تشيكية أواخر سبعينيات القرن الماضي، وقد عاشت في العاصمة براغ إلى جانب زوجها الذي شغل منصب سفير العراق هناك.

في براغ الاشتراكية آنذاك، التقت بعقول من شتى أنحاء العالم، ونهلت من تجارب حركات التحرر الوطني في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا.

في الجنوب حيث الجذور

بعد مسيرةٍ طويلة بين بيروت وبراغ وعمّان وساحات النضال، استقرّت مها في صور. كانت تحرص يومياً على مراسلة رفاقها ومتابعة مجريات الأحداث، لا تفصلها عن الواقع حتى وهي في عقدها الثامن.

عملت في مؤسسات الإمام موسى الصدر، وكان دورها في إدارتها جزءاً من قناعتها الراسخة بأن بناء الإنسان المثقف الواعي هو استمرار للمقاومة بأدواتٍ مختلفة.

كانت تؤمن بحتمية النصر، وتؤكد أن البندقية يجب أن تكون إلى جانب البرنامج السياسي، ولا يجوز الفصل بين الكفاح المسلح والعمل السياسي، فهما كطائر بجناحين.

حين بدأت الحرب على لبنان في الخريف الماضي، رفضت المغادرة، كانت صور تحت القصف، والناس يفرّون، ومها تبقى، ليست عناداً، بل هو الانتماء في أقسى تجلياته.

دقائق فارقة

مساء الجمعة 17 أبريل 2026، كان الجميع يعرف أن وقف إطلاق النار بات وشيكاً، المفاوضات انتهت، والإعلان في غضون دقائق، لكن الطيران الحربي الإسرائيلي لم ينتظر.

في تلك اللحظة استهدفت غارة إسرائيلية أربعة مبانٍ سكنية في صور سوّتها بالأرض، وعُثر على جثمان مها أبو خليل بين الأنقاض.

بعد ساعات، أعلن وقف إطلاق النار، وبدأت مرحلة جديدة في لبنان، لكن تحت ركام صور، كانت امرأةٌ تحمل في جسدها الصغير تاريخ جيلٍ بأكمله.

نعي الشعبية

ونعت الجبهة، وقيادتها، إلى جماهير الشعب الفلسطيني وأمتنا العربية وأحرار العالم، المناضلة التاريخية والأكاديمية والاجتماعية الدكتورة مهى أبو خليل.

وقالت الجبهة في بيان صحفي: “لقد شكّلت الشهيدة مهى أبو خليل نموذجاً للمرأة المناضلة التي جمعت بين الفكر والالتزام الوطني والعمل الاجتماعي والتربوي، وقد حازت على شهادة الدكتوراه في الإعلام، ودرست في جامعات براغ في أواخر السبعينيات، في تجربةٍ علمية وفكرية عكست عمقها المعرفي وانفتاحها الإنساني، كما عاشت إلى جانب زوجها الذي شغل منصب سفير العراق في براغ”.

وارتبطت أبو خليل – وفق البيان- مبكراً بمسارات العمل النضالي الداعم للقضية الفلسطينية، وانخرطت في أنشطة الجبهة الشعبية في المجال الخارجي ضمن سياق المرحلة التاريخية في العام 1970، بالمشاركة في عملية “أثينا” الفدائية، وذلك بهدف تحرير الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال، والتي شكّلت حينها جزءاً مركزياً من برنامج العمل الثوري الفلسطيني”.

وتابعت الشعبية: “ظلّت (أبو خليل) معبّرة عن التزامها العميق بهذه القضية من خلال مشاركتها في مختلف أشكال الدعم السياسي والإنساني والإعلامي لقضية فلسطين، باعتبارها قضية وطنية وإنسانية في مواجهة الاحتلال الصهيوني”.

وبينت الجبهة أنّ الشهيدة عملت لسنوات طويلة في مؤسسات اجتماعية، حيث كان لها دور أساسي في العلاقات العامة والعمل الاجتماعي والتربوي، وساهمت في توجيه العديد من المعلمات، وتكريس نهج إنساني في التعاطي مع الناس.

وأشارت إلى أنها تركت أثراً عميقاً في كل من عرفها، كما عُرفت بقربها من الفقراء وعائلات الشهداء، ومشاركتها الصادقة لهم في آلامهم وأفراحهم، وبحضورها الدائم في الجنوب اللبناني، حيث بقيت صامدة في مدينة صور خلال الحروب الإسرائيلية المتكررة، رافضة مغادرة أرضها رغم القصف والعدوان.

الوداع في القليلة

شيّعت بلدة القليلة شهيدتها، ووريت الفقيدة في ثرى جبانة بلدتها. سوتالفرح في التشييع، كلماتٌ استذكرت خمسة عقود من الحضور والعطاء.

قال النائب الأردني السابق منصور سيف الدين مراد، الذي عرفها منذ سنوات النضال المشترك، إنها كانت “إنسانة ذات ثقافة عالية، ومنتمية عقائدياً، وتحمل في وجدانها وضميرها الثورة الفلسطينية”.

في الثمانين من عمرها، لم تمت مها أبو خليل هاربةً ولا مستسلمة، فقد ارتقت شهيدة في مدينتها، على أرضها، في اللحظة التي اختار فيها من قتلها أن يُودّع الحرب بدمٍ أخير. الفارق أنهم كانوا يودّعون، وهي كانت كما طوال حياتها تبقى.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -

اقرأ ايضا