المستقل – بكلمات مقتضبة ومركّزة على نهج العمل المستقبلي، أكد جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش خلال افتتاحه امس الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة الـ19، على نقاط جوهرية ومفاصل وعناوين، ترسم رؤية واضحة وشمولية حول متطلبات وآليات العمل، بما يؤسِّس لمرحلة، أدقّ أوصافها الاعتماد على الذات، ومباشرة العمل بجدية لتنفيذ الخطط والبرامج والإستراتيجيات التي اكتمل إعدادها.
جلالته شدد في خطاب العرش، على أن الرؤية واضحة، ولا خيار أمامنا سوى العمل والإنجاز لبناء الأردن الجديد، دولة حديثة، أساسها المشاركة والمواطنة الفاعلة وسيادة القانون، وتكريس الإمكانيات للتنمية، وعنوانها شباب الوطن وشاباته، بطموحهم الذي لا حدود له وعزيمتهم التي لا تلين.
يقول مراقبون، إن ما تحمله مضامين الخطاب، يتبلور في الدعوة إلى تجاوز الأقوال نحو الأفعال، وليس أي أفعال، بل تلك المستندة على رؤى وأطر واضحة ومحددة، تصبّ في النهاية بتحسين مستوى معيشة المواطنين، وحفظ أمنهم وكرامتهم، وتوفير غد أفضل لهم يستحقونه بجدارة.
ويرى الوزير الأسبق مجحم الخريشا، أن جلالته أكد أن التحديث الشامل بمساراته السياسية والاقتصادية والإدارية، يشكل بكل جوانبه مشروعا وطنيا كبيرا، يجب أن تدور حوله كل الأهداف الوطنية، وتسخر الجهود والموارد لتحقيقه، ودعوة مؤسسات الدولة لتبني مفهوم جديد للإنجاز الوطني، يلمس نتائجه المواطنون، ولن نقبل بالتراجع أو التردد في تنفيذ هذه الأهداف.
وأشار الخريشا إلى أن الملك في خطاب العرش، ركز على هدف التحديث الاقتصادي لتحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص التشغيل والاستثمار، والتأكيد بأن القانون يجب أن يطبق على الجميع وأن يعمل من أجل الجميع، وإعادة التأكيد أن القضية الفلسطينية على رأس أولويات الدولة الأردنية.
وتابع: أصبح واضحاً أن الاعتماد على الذات، لم يعد خياراً بل هو ضرورة للسير قدماً نحو التغيير الإيجابي، بخاصة في ظل الظروف الإقليمية المحيطة، والتي يجب ألا تشكِّل عقبةً أمام مسيرة الأردن نحو ما نتوخاه من تقدم وتطور وازدهار على مختلف الصعد، والتشديد على أن هذا الوطن لم يبنه المتشائمون ولا المشككون، بل تقدم وتطور بجهود المؤمنين به من أبنائه وبناته.
بدوره، أكد المحلل السياسي الدكتور صدام الحجاحجة، أن قوة الأردن عمادها الأمن والاستقرار، فالاردن يحميه جيش عربي مصطفوي وأجهزة أمنية محترفة، لهم تحية الاعتزاز والتقدير والاحترام، للعاملين منهم والمتقاعدين، مشيرا الى الاشادة الجميلة من جلالة الملك واعتزازه بالجيش الوفي على الدوام لاسمه وشعاره.
وأضاف، هذا الجيش الذي قدم الشهداء الذين رسموا منارات تضحية وشجاعة على أسوار القدس، التي تعيش في ضمير الهاشميين ووجدانهم منذ مئات السنين، مبينا أن الخطاب حمل “حديثا طيبا عما قدمه الأردن للقضية الفلسطينية”، مشيرا إلى أن الأردن سيقف دائما إلى جانب أشقائه الفلسطينيين حتى يستعيدوا حقوقهم الكاملة، ويقيموا دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني.
ومن المحاور الدقيقة والمهمة في خطاب العرش، وفقا للحجاحجة، تأكيد جلالة الملك على ضرورة التعاون بين السلطات، في إشارة إلى ضرورة العمل جنبًا إلى جنب مع الرؤى المشتركة للأهداف، بما يضمن التعاون والدعم لتنفيذ السياسات والمشاريع، واتخاذ قرارات توافقية جريئة ومدروسة، أساسها المصلحة الوطنية.
من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور هاني السرحان، ان خطاب العرش السامي، باكورة خير لعمل برلماني متميز، يعكس الرؤى والتطلعات الملكية، ويرتقي إلى مستوى التعاون المطلوب بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويغادر مساحات الفردية إلى أفق الوطنية الرحب، ضمن ضوابط الالتزام بمبدأ الفصل بين السلطات، وإعطاء الحكومة دورها بممارسة مهامها دون ضغط أو استقواء.
واضاف “جاء خطاب العرش بعد جملة من المتغيرات، أبرزها تعديل حكومي، ومجلس أعيان جديد يحاكي الرغبة الملكية بالتحديث والتطوير السياسي والاقتصادي والإداري، ويعيد صياغة الخطاب الوطني بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة، وحجم التحديات الداخلية والخارجية”.
وأوضح أن الخطاب يعد فاتحة خير لرؤية اقتصادية واضحة وقرارات حازمة وجازمة، وانفتاح غير مسبوق في أفق الاستثمار، يرافقها تنفيذ الإصلاحات الإدارية التي تبنتها الحكومة بعزم لا يلين، وحوكمة الإجراءات والسياسات والقرارات والتشريعات، بما يتواءم مع طبيعة الإصلاحات وحجم التحديات، وعدم الرضوخ لمطالب قيادات برلمانية لمطالب تقسيم أراضي وأملاك الدولة بما يسبب هدر المال العام.
وتابع، إن الخطاب الملكي يعالج بعمق موقف الأردن من القضية الفلسطينية وتحديات الصراع وسيأخذ بعين الاعتبار واقع وصول اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في إسرائيل وانعكاسه على أفق الحل ومخاطر التهويد للقدس والمقدسات، وحساسية الموقف الإقليمي الذي ينعكس بقوة على ركائز الاقتصاد الوطني.
“الغد”


