المستقل – بقلم : فيصل النجداوي
أمام منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقف جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين ليخاطب ضمير العالم في لحظة فارقة استثنائية من تاريخ المنطقة والعالم، أطلق فيها صوتاً هاشمياً حازماً لا يحابي ولا يداهن، واضعاً المجتمع الدولي برمته أمام مسؤولياته الأخلاقية والسياسية والإنسانية. لم تكن الكلمة الملكية مجرد خطاب دبلوماسي عابر في جدول أعمال دولي؛ بل جاءت وثيقة إستراتيجية متكاملة ومواجهة صريحة كشفت النفاق وازدواجية المعايير الدولية، وشخّصت الواقع الإقليمي والدولي بأعلى درجات الجرأة، لتعيد رسم الخطوط الفاصلة بين الحق والتجبر.
ولكي يُدرك العالم عمق هذا الخطاب وأبعاده، لا بد من العودة إلى أصل الرؤية ومعدن القيادة؛ فجلالة الملك عبدالله الثاني ليس مجرد قائد لدولة محورية في الشرق الأوسط، بل هو سليل الأسرة الهاشمية الشريفة، عميد آل البيت، ووريث الثورة العربية الكبرى التي حملت مشعل الحرية والكرامة والأصالة العربية. هو الملك الذي يجمع بين شرعية التاريخ والأمانة الهاشمية وبين الحنكة العسكرية والإستراتيجية كقائد أعلى للقوات المسلحة الأردنية الجيش العربي، خاض عقوداً من إدارة الأزمات المعقدة بحكمة واقتدار، وغدا مرجعية دولية يُنصت إليها الغرب والشرق حين تتشابك خيوط السياسة وتغيب أصوات العقل.
من هذه المكانة السامية، استهل جلالة الملك كلمته بتعرية حالة التقاعس الدولي والإفلات من العقاب، محذراً من أن العالم بات يعيش تبعات الإهمال وعدم اتخاذ مواقف حازمة تجاه التجاوزات الصارخة للقوانين والمواثيق الدولية. وأشار جلالته إلى أن المجتمع الدولي يملك كافة الأدوات السياسية والدبلوماسية والرادعة — كفرض العقوبات، وتجميد الأصول، والحظر، والعزل الدبلوماسي — إلا أن غياب الإرادة والتقاعس الدولي تحولا إلى خيار سياسي شجع القيادة الإسرائيلية المتطرفة على الاستمرار في نهجها دون خشية من أي محاسبة أو رادع، حتى وصلت إلى مرحلة مرعبة تتصرف فيها وكأنها فوق القانون الدولي.
ومن هذا المنظور، فكك جلالته الأوهام المحيطة بالقضية الفلسطينية والصراع الإقليمي؛ فأكد بوضوح لا يقبل التأويل أن الاستمرار في مصادرة الأراضي، وتسريع عمليات الاستيطان، ومحاولات تصفية قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة هي خطوات تعمق الصراع ولا تمنح أحداً أماناً أو شرعية. وشدد الخطاب الملكي على أن الحق الفلسطيني في أرضه ودولته هو حق أصيل ثابت وليس مجرد مكافأة أو مساومة، كما أعاد التأكيد بعبارات قاطعة ومباشرة على أن سيناريوهات التهجير القسري أو أوهام الوطن البديل تُعد خطاً أحمر وجريمة حرب لن يسمح الأردن بتمريرها أو قبولها تحت أي ظرف.
ولم يتوقف الخطاب عند حدود التشخيص السياساتي، بل امتد ليرسم ملامح الردع الهاشمي لحماية الأمن القومي الأردني وسيادة المملكة؛ إذ وجه جلالة الملك رسالة حازمة ومباشرة بشأن التطورات الميدانية والتحركات العسكرية في المنطقة بما في ذلك التوغلات المكررة والتوسع الجغرافي الذي يمس مصادر مائية حيوية والأمن في جنوب سوريا وفي الإقليم بأسره. وحذر جلالته من أن الأردن لن يشيح بنظره ولن يتردد في حماية أمنه القومي، ومياهه، ومصالح شعبه بكافة الوسائل، مؤكداً أن تمسك المملكة بخيار السلام والدبلوماسية يستند إلى القيم والمبادئ والأخلاق الهاشمية، ولا ينبغي لأحد إطلاقاً اعتباره أمراً مسلّماً به أو إساءة تقديره كدليل ضعف.
كما حذر جلالته من خطورة الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة نتيجة التصعيد العسكري والحروب المتصاعدة، مبيناً أن استخدام القوة العسكرية المفرطة لن يجلب السلام ولن يضمن الاستقرار، بل يغذّي دوامات العنف ويفتح أبواب الحروب على الجميع. ودعا جلالته العالم إلى الإدراك بأن البناء والاستقرار وإدارة التحديات الكبرى — من كوارث المناخ والهجرة إلى التطور التكنولوجي — لا يمكن تحقيقه عبر آلة الحرب، بل يتطلب مؤسسات ذات شرعية وإعادة بناء الثقة وسيادة القانون.
وفي ختام هذه السردية الشاملة، جدد جلالة الملك التزام المملكة التاريخي والأخلاقي بالأمانة والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، معلناً استمرار الأردن في حماية الوجود المسيحي وإرثه في موطنه الأصلي، والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام النقي في وجه أصوات الكراهية والتطرف. كما أكد الاستمرار في دعم صمود الشعب الفلسطيني ومؤسساته وعلى رأسها وكالة الأونروا، وبناء نموذج أردني فريد يستند إلى الثبات، الانفتاح، والمبادئ الراسخة في زمن يندر فيه اليقين وتتبدل فيه الحسابات السياسية.
لقد جاء هذا الخطاب الشامل والجامع ليعبر بحق عن شجاعة الموقف الأردني وشهامة القيادة الهاشمية، وليؤكد للعالم أجمع أن ملك الأردن ابن الهاشميين ووارث رسالتهم سيبقى السد المنيع، وصوت الحق، وحامي الحصن والحدود في وجه كل التحديات.


