الرئيسيةالرئيسيةالرقيبات يكتب : النظام الاقتصادي العالمي القادم

الرقيبات يكتب : النظام الاقتصادي العالمي القادم

 المستقل – كتب : الدكتور احمد الرقيبات

لقد اصبحت معظم دول العالم في حيرة من اتخاذ قرارها المصيري والانسب لها ولشعوبها الطيبة العظيمة. وبات بعضها امام واقعاً مرير اما ان تستسلم للهيمنة الامبريالية والصهيونية وكأنها تقف على ارضية المسرح في مسرحية “الاسد ملك الغابة” للشاعر العربي الكبير احمد شوقي او امام الكاتب الكندي وليام غاي كار في كتابه الشهير أحجار على رقعة الشطرنج الذي نشره عام 1955 بعدما جرى من تغييرات حلت في شعوب ودول العالم المستضعفة عقب الحرب العالمية الثانية بعشر سنوات وتضمن الكتاب مؤامرة تخص النظام المالي والسياسي العالمي. واليوم نرى ان التاريخ يعيد نفسه والفرق بين تلك المرحلة وهذه المرحلة التي نعيشها هو فقط في تغيير اللاعبين فلكل مرحلة من تاريخ البشرية يكون النهج متشابهاً ولكن القوى الخفية الطامعة بالسيطرة على العالم تختلف من مرحلة الى اخرى.

 لقد بدأت المرحلة الحالية التي نعيشها منذ انهيار المعسكر الاشتراكي عام 1989 حين سقطت الانظمة الاشتراكية في بولندا والمجر والمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا وسقوط جدار برلين وحل حلف وارسو بتاريخ 1/7/1991 وتفكيك الاتحاد السوفييتي بتاريخ 26/12/1991 وانتهاء الاطار السياسي والعسكري للمعسكر الاشتراكي الذي كان موازياً للمعسكر الرأسمالي وبعد ذلك بدأ التحالف الرأسمالي الصهيوني يشعل الحروب والفتن والخلافات بين الدول وداخل الدولة الواحدة وكان آخر تلك الحروب العدوان الامريكي الاسرائيلي على الجمهورية الاسلامية الايرانية وبات الامر واضحاً لجميع شعوب ودول العالم بان اطماع التحالف الامبريالي الصهيوني لن تتوقف عند حدود اي دولة في العالم وبات التحالف آنف الذكر يستخدم معظم قواه العسكرية وقدراته الاقتصادية من اجل السيطرة على الدول والشعوب المناهضة لسياساته من خلال سلب إرادتها ونهب ثرواتها واحتلال اراضي بعضها كما حصل في بعض الدول العربية والاسلامية والاوروبية والافريقية وفي امريكا اللاتينية مدعين خلق الفوضى الخلاقة للقضاء على الارهاب حول العالم كما صرح الرئيس الامريكي الاسبق جورج بوش الابن بعد غزو العراق واحتلال اراضيه وتكرر نفس المشهد العدواني في عدة دول عربية وغير عربية واستخدم التحالف الامبريالي الصهيوني اراضي بعض دول المعسكر الاشتراكي السابق واراضي دول اخرى في بناء قواعد عسكرية له لمهاجمة الدول المناهضة لسياسته وازدادت شراسته في عهد الرئيس الامريكي الحالي دونالد ترمب وحليفه الصهيوني اليميني المتطرف بنيامين نتنياهو مخالفين الشرعية الدولة ومتجاهلين القانون الدولي والانساني والمعاهدات والاتفاقيات الدولية وكأنهما يكادو ان يقولو لمعظم دول العالم وشعوبها نحن ربكم الاعلى فاعبدون.

ان هذا النهج الغير انساني دعا اغلبية دول العالم للتفكير فيه والتصرف بحكمة في مواجهته واخذت الاغلبية تعمل من اجل الحفاظ على أمن واستقرار جميع شعوب ودول العالم دون استثناء ، وبسبب اتساع الفجوة بين الانظمة المتطرفة والانظمة المعتدلة قد يمر العالم في مرحلتين هامتين في المستقبل ، في المرحلة الاولى سيصبح العالم متعدد الاقطاب والمراكز وان زمن احتكار المركز الاوحد لقواعد التجارة الدولية والتمويل والتكنولوجيا قد ولى ، لان العالم بات يواجه تجاوزاً جيواقتصادياً وتزايداً في التوترات التجارية الناتجة عن الخلافات السياسية التي صنعتها القوى الامبريالية الصهيونية حول العالم وبما ان العالم ما زال يمر في مرحلة عدم الاستقرار وامريكا ما زالت تمتلك عوامل التفوق على الدول الاخرى في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعملة المهيمنة والاسواق المالية الكبرى والشركات العملاقة سيبقى ترتيبها الاول في العالم وبما ان الصين باتت تتميز في التصنيع والتجارة الدولية وسلاسل التوريد والمعادن الاستراتيجية والبنية التحتية ستصبح في المرتبة الثانية وكون الاتحاد الاوروبي ما زال يتميز في الاسواق الاستهلاكية والنظم والمعايير العلمية العالمية والعملة الرئيسية الاوروبية ما زالت تحتل المرتبة الثانية بين العملات سيحافظ على المرتبة الثالثة وبما ان الهند باتت تتفوق على الدول الاخرى بعدد السكان والخدمات الرقمية والبرمجيات والاسواق الاستهلاكية الهائلة والتصنيع الصاعد ستحتل المرتبة الرابعة وكون روسيا اصبحت الدولة الاكبر في انتاج الطاقة وتمتلك الموارد الطبيعية والمواد الاولية وتتميز في انتاج الطاقة النووية التي اصبحت اكثر حداثة بعد تمكينها من معالجة مشكلة انفجار محطة تشرنوبل النووية ستحافظ على المرتبة الخامسة وكون دول الخليج اخذت تتجاوز الدول الاخرى في انتاج النفط والغاز وتمتلك اكبر احتياطي في العالم وتتميز في انتاج الطاقة المتجددة وتمتلك رؤوس الاموال الضخمة والموانئ الشاسعة والخدمات اللوجستية المتميزة والمناخ الاستثماري الجاذب ستحتل المرتبة السادسة ودول جنوب شرق اسيا وامريكا اللاتينية وافريقيا قد تصبح اسواق المستقبل والعمالة والمصادر الطبيعية الواعدة وقد تكون مراكز الانتاج الجديدة بين دول العالم وقد تحتل المرتبة السابعة ، ان هذه العوامل ستجعل العالم اقرب الى عالم شبكة اقتصادية مترابطة ومتنافسة بدل من عالم المركز الاوحد والعملة الواحدة المعتمدة ، ورغم تعدد الاقطاب السياسية والمراكز الاقتصادية فان الدولار الامريكي لن يختفي ولكن النظام النقدي العالمي سيتغير ولن يحل اليوان الصيني مكان الدولار الامريكي في القريب العاجل ، بينما سيكون في العالم نظام نقدي متعدد العملات وقد يبقى الدولار عملة رئيسية واليورو قد يحتفظ بدوره الكبير واليوان سيزداد استخدامه في التجارة الدولية وعملات اخرى ستزداد اهميتها الاقليمية والذهب سيحتفظ بدوره الاحتياطي مقابل جميع العملات العالمية . والعملات الرقمية للبنوك المركزية وانظمة الدفع الرقمي قد تغير التسويات التجارية في النظام الاقتصادي العالمي القادم وقد يتحرر العالم تدريجياً من هيمنة الدولار الامريكي وسيصبح العالم متعدد المراكز النقدية وقد يؤدي ذلك الى التغيير الجذري في شكل ومضمون التجارة حول العالم .

 لقد كانت العولمة القديمة تقوم على فكرة انتج في المكان الارخص واشحن للاسواق حول العالم ، اما النظام الاقتصادي العالمي الحالي والقادم فهو يبنى على عوامل عدة وسيكون الاهم فيه الامن الاقتصادي والسياسي والتطور التكنولوجي وقرب سلاسل التوريد وقد تكون الطاقة النووية اهم قاعدة الانتاج لرخصها في المستقبل ولن يكون الاقتصاد العالمي القادم اقتصادي نفط ودولار فقط ، بل سيكون اقتصاد تنافس بين مصادر الطاقة المختلفة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والمعادن الاستراتيجية وبناء على ذلك انني ارى منطقة الشرق الاوسط ستكون ذات اهمية عالمية استثنائية ليس بسبب وجود النفط والغاز فيها وانما بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط القارات الثلاث الكبىرى اسيا واوروبا وافريقيا وقد تصبح منطقة الخليج العربي مرشحة لتكون اهم مراكز النظام العالمي الاقتصادي القادم اذا تمكنت تلك الدول من تحويل عائدات الطاقة الى صناعات وتكنولوجيا وموانئ وخدمات لوجستية ومناخ استثماري عالمي جاذب ومراكز الاقتصاد الرقمي والامن الغذائي والمائي وستكون اهم عوامل الاقتصاد العالمي القادم الذكاء الاصطناعي كونه سيعيد تعريف قيمة العمل ورأس المال والدولة وستكون الدول التي تنتج الشرائح الالكترونية ومراكز البيانات ومصادر الطاقة الرخيصة وشبكات الاتصالات والجامعات المواكبة لعلوم التكنولوجيا هي الاقوى اقتصادياً في العالم لا التي تمتلك القوة العسكرية التي تستنزف ايرادات الدولة كما كان حال بعض الدول العظمى في اواخر القرن العشرين والتي آل بعضها للانهيار مثل الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو ومعظم دول المعسكر الاشتراكي .

 اعتقد ان ذلك حصل بسبب غزو افغانستان وامتداد الحرب فيها لعشرات السنوات ولو استمرت حرب امريكا مع فيتنام لنصف المدة آنفة الذكر للقيت امريكا نفس المصير الذي لاقاه الاتحاد السوفييتي في افغانستان ولنهار المعسكر الرأسمالي قبل المعسكر الاشتراكي بعشرات السنوات واذا استمرت الولايات المتحدة الامريكية ودولة الكيان الصهيوني في نهجهما الحالي ستبدأ حتماً المرحلة الثانية وقد تكون النتيجة زوال دولة الكيان الذي قد يبدأ في بداية عام 2027 وبعد زوالها بالكامل سيبدأ انهيار الولايات المتحدة الامريكية على ثلاثة مراحل اعتباراً من عام 2030 وحتى عام 2060 وستقسم في اول عشر سنوات الى اربعة دول وفي العشر سنوات التي تليها ستقسم الى اثنا عشر دولة وفي العشر سنوات الاخيرة ستقيم الى خمسون دولة مستقلة عن بعضها ، وذلك بسبب الاوضاع الاقتصادية التي ستحل بالولايات المتحدة الامريكية مستقبلاً وبسبب نفوذ الحركة الصهيونية في ولاياتها .

ان النظام الاقتصادي العالمي القادم يمكن تلخيصه حسب الواقع الحالي في المعادلة التالية : القوة الاقتصادية للدولة او القطب = القدرة المالية + التكنولوجيا + الطاقة + الموارد الطبيعية + الموارد البشرية + الموقع الجغرافي + القدرة الخدماتية + القدرة العسكرية ، ان هذا المقياس يختلف عن مقياس القرن الماضي حيث كانت القوة الاقتصادية للدولة او الحلف تقاس بقدراته الصناعية الكبرى وبقدراته المالية وبسيطرته على الاسواق الاستهلاكية وبناءً على المقياس الاكثر حداثة فامام الدول العربية فرصة تاريخية لن تتكرر حيث تتوفر في الدول العربية مجتمعة العوامل الاهم في قوة القطب الاقتصادي فمساحتها الجغرافية تفوق الاربعة عشر مليون كيلو متر مربع والتعداد السكاني يزيد عن 450 مليون نسمة وتمتلك مصادر طاقة متنوعة وكبيرة واحتياطي من النفط والغاز يعتبر اكبر احتياطي في العالم وتمتلك من الموارد الطبيعية المختلفة كم كبير وعال الجودة وثروة حيوانة كبيرة واراضي زراعية شاسعة تكفي لتغذية نصف الكرة الارضية وكذلك تمتلك اموالاً هائلة واسواقاً استهلاكية كبيرة وعدداً من الجامعات التعليمية يفوق تعدادها الاف جامعة وتتميز معظم الدول العربية بالمناخ المعتدل والانسب لحياة البشرية وتسيطر بعض الدول العربية على اهم المعابر المائية حول العالم وتوفر المناخ الاستثماري الجاذب في معظم الدول العربية ولا ينقصها الا وحدة الفكر والتكامل الاقتصادي والعملة الواحدة والاتحاد السياسي الذي يجمع ولا يفرق وهذه العوامل لم تتوفر في اي امة حول العالم فاذا تمكنت الدول العربية من تحقيق التكامل الاقتصادي ستصبح حتماً اقوى قوة اقتصادية في النظام الاقتصادي العالمي القادم وان لم تتمكن من تحقيق ذلك ستبقى الدول العربية ساحة للتنافس بين الاقطاب الاخرى وسوق استهلاكية لتلك الاقطاب وستهاجر العائدات المالية من الدول العربية الى دول اخرى ، وانني اعتقد ان ترتيب القوى الاقتصادية حول العالم اليوم كما يلي : (امريكا ، الصين ، الاتحاد الاوروبي ، الهند ، روسيا / اوراسيا ، دول الخليج العربي ، مراكز اسيوية ، افريقية ، امريكا اللاتينية ) واذا تمكنت روسيا الاتحادية وجارتها اوكرانيا من ايقاف الحرب القائمة بينهما بالطرق السلمية قد يصبح ترتيب القوى الاقتصادية حول العالم كما يلي : ( امريكا ، الصين ، روسيا ، الهند ، الاتحاد الاوروبي ، دول الخليج العربي ، افريقية ) وانني أوكد للجميع ان عوامل القوة الاقتصادية للدولة او الحلف كانت في القرن الماضي تختلف عما هي عليه في هذا القرن ففي القرن العشرين ساد نموذج النيوليبرالية الذي كانت تعتمد فيه الدول قياس القوة الاقتصادية على اربع عوامل وهي : السوق المغلقة ، الخصخصة ، التجارة الحرة ، وتقليل دور تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية .

اما في هذا القرن اختلف الامر فالقوة الاقتصادية للدولة او القطب تحددها العوامل التالية : (القدرة المالية + التكنولوجيا + الطاقة + المعادن + الموقع الجغرافي + الخدمات اللوجستية + القوة العسكرية ).

 ان هذه القراءة ليست مقالة اعلامية ولا دعاية شخصية بل رسالة انسانية اقدمها لكل انسان يعيش على هذا الكوكب لكي يتصور مستقبل ابنائه واحفاده ومن بعدهم مستقبل الاجيال القادمة .

اخوكم الدكتور احمد الرقيبات .

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -

اقرأ ايضا