المستقل – كتب : الدكتور احمد الرقيبات
منذ عقود ، اعتبرت الولايات المتحدة الامريكية ان دعمها غير المحدود لدولة الكيان الصهيوني يمثل استثماراً استراتيجياً سيضمن لها التفوق في منطقة الشرق الاوسط وبعض اقاليم العالم وسيحافظ على نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي حول العالم غير ان التحولات التي شهدتها المنطقة والعالم خلال السنوات الاخيرة ، وما رافقها من حروب وازمات متتالية ، دفعت الكثير من المراقبين نحو هذا التساؤل : هل اصبح الرهان على دولة الكيان عبءً على المصالح الامريكية في منطقة الشرق الاوسط والعالم بدلاً من ان يكون مصدراً لتعزيزها وانا اعتقد ان هذا الرهان بات عبءً واضحاً على سياسات الولايات المتحدة ؟.
لقد راهنت واشنطن منذ عقود من الزمن ان تفوق القوة الامريكية سيؤدي الى فرض واقعاً سياسياً جديداً على الارض في المنطقة والعالم ، الا ان التجارب اثبتت ان التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق الامن والاستقرار والسلام المنشود في العالم ولن ينهي الصراعات حول العالم في عصر التطور المتسارع بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والامن السيبراني والحلول الرقمية التي اخذت تخرج من قبضتها وتخضع لسيطرة قوى اخرى حول العالم. ففي كل جولة من التصعيد تخلف اثراً سياسياً واقتصادياً وانسانياً تجاوز حدود المنطقة وينعكس سلباً على صورة الولايات المتحدة الامريكية ومكانتها الدولية ، وهذا ما اشار اليه عدداً من المفكرين والمنظرين والمحللين السياسيين الذين يرون ان استمرار الانخراط الامريكي في ازمات الشرق الاوسط بات يفرض كلفاً متزايدة على السياسة الخارجية والاقتصاد الامريكي.
واصبح الدعم المطلق الامريكي الواسع لدولة الكيان الصهيوني يثير انتقادات داخل امريكا نفسها في الاوساط الاكاديمية والاعلامية والسياسية وبين معظم قطاعات الرأي العام التي اخذت تطالب بإعادة تقييم السياسة الامريكية بما ينسجم والمصالح الوطنية الامريكية وينسجم مع القيم الانسانية التي اعتادت ترعاها وتعلن الدفاع عنها .وفي الوقت ذاته ادى دعمها لقوى اليمين المتطرف في دولة الكيان الصهيوني واستمرار هذا النهج الى اتساع فجوة الثقة بين واشنطن وشعوب المنطقة وقد يؤدي الى اتساعها بين الادارة الامريكية الحالية ومعظم دول المنطقة والعالم وحتماً سيؤدي الى الحد من فعالية القوى الناعمة الامريكية .
نعم سيشهد العالم تحولات متسارعة نحو نظام عالمي اكثر تعددية وتتنامي ادوار قوى دولية واقليمية متنافسة ولم يعد من السهل ان تدير الولايات المتحدة الامريكية ملفات الشرق الاوسط بالاليات التقليدية نفسها التي اعتمدتها بعد نهاية الحرب الباردة ، لان كلف الحفاظ على النفوذ ذاته باتت اعلى بكثير مما كانت عليه واصبحت تتراجع القدرة على تحقيق نتائج حاسمة .
ان الحديث عن خسارة الرهان لا يعني بالضرورة انهيار التحالف الامريكي مع دولة الكيان ، كونه تحالف عميق ومتجذر سياسيا وعسكريا واقتصاديا ، لكن المقصود هو ان هذا التحالف في صيغته الحالية لم يحقق لواشنطن المكاسب الاستراتيجية التي كانت تتوقعها بل باتت تحملها اعباءً متزايدة على المستويات الدبلوماسية في علاقاتها الدولية السياسية والاقتصادية والامنية مع الدول والاقطاب الاخرى في المنطقة وحول العالم. انني ارى ان الولايات المتحدة الامريكية تقف على مفترق طريق : اما الاستمرار في النهج التقليدي الذي يربط مصالحها بشكل وثيق بسياسات دولة الكيان الصهيوني ، او إعادة صياغة مقاربة اكثر توازناً وتراعي المتغيرات الاقليمية والدولية وقد يؤدي هذا الخيار الى حد كبير شكل الدور الامريكي في منطقة الشرق الاوسط والعالم خلال العقود القادمة .
لقد كانت دولة الكيان الصهيوني بالعقود الماضية قنبلة يدوية تمسكها الحركة الصهيونية من جهة بهدف ترهيب الاخرين في دول غرب اسيا وتمسكها الولايات المتحدة الامريكية من جهة اخرى بهدف ترغيبها ولكن في كلا الحالتين لم تنفجر تلك القنبلة الا اذا رفع الطرفان اياديهم من كلا الجهتين. اما اليوم فدولة الكيان الصهيوني تشبه قنبلة يدوية تقع في منطقة ملتهبة ومن شدة اللهب حتماً ستنفجر وقد تؤذي نفسها وتبدأ مرحلة زوالها وستؤذي الشعوب والدول المجاورة لها ولا يوجد امامها وامام حلفائها الا خيار واحد لا ثاني له الا وهو الالتزام بجميع اتفاقيات السلام التي ابرمتها مع الدول العربية استناداً للقرارات الدولية وان تؤمن بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة واما الاستمرار في نهج التطرف الذي حتماً سيؤدي الى تخلي حلفائها عنها وفي النهاية زوالها .


