المستقل – كتب : د.مصطفى ياغي
عندما يحمي جيش الاحتلال الإسرائيلي المستوطنين وهم يقتحمون أراضي الفلسطينيين ويعتدون على المدنيين ويخربون الممتلكات ويقتلعون الأشجار ويهاجمون القرى، فإن المشهد يتجاوز حدود الجريمة الفردية ويتحول إلى سؤال أكبر بكثير: ماذا يعني أن تتحول القوة العسكرية التابعة لدولة الاحتلال من جهة يفترض بها، وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، أن تلتزم بحماية المدنيين في الأرض المحتلة، إلى قوة توفر الغطاء والحماية لمن يمارس العنف ضدهم؟ هنا تحديداً يصبح الحديث عن «إرهاب الدولة» أكثر من مجرد توصيف سياسي غاضب؛ يصبح محاولة لفهم منظومة تستخدم القوة المنظمة والعنف والاحتلال والاستيطان وفرض الأمر الواقع لإخضاع شعب والسيطرة على أرضه. صحيح أن القانون الدولي لا يضع تعريفاً موحداً ومتفقاً عليه لمصطلح «إرهاب الدولة» باعتباره جريمة مستقلة، لكن ذلك لا يعني أن القانون الدولي يقف عاجزاً أمام الأفعال التي قد تندرج ضمن هذا الوصف؛ فهناك قواعد واضحة تحظر الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، وتحمي السكان المدنيين في زمن الاحتلال، وتحظر نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، وتحمّل الدولة مسؤولية أفعال أجهزتها الرسمية وانتهاكاتها لالتزاماتها الدولية. وفي الحالة الفلسطينية، لم يعد الأمر مجرد جدل سياسي يمكن لكل طرف أن يفسره كما يريد، فقد قالت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024 إن السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها الاستيطان وضم أجزاء من الأرض وفرض السيطرة الدائمة عليها، تنتهك مبادئ أساسية في القانون الدولي وتجعل استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، كما أكدت المحكمة الطبيعة غير القانونية للمستوطنات وما يرتبط بها من سياسات وممارسات. وهنا تكمن خطورة المشهد الذي نشاهده مراراً: مستوطن يعتدي، وجندي إسرائيلي يقف إلى جانبه، ثم يستمر الاستيطان، وتستمر مصادرة الأرض، ويستمر فرض الأمر الواقع، وكأن الاعتداء ليس إلا حلقة صغيرة في مشروع أكبر. وعندما يتكرر هذا النمط، يصبح من الصعب اختزاله في تصرفات أفراد منفلتين؛ لأن الدولة التي تملك الجيش والشرطة والقضاء والإدارة والقدرة على المنع والمحاسبة لا تستطيع أن تتعامل مع العنف المتكرر باعتباره ظاهرة لا علاقة لها بها، خصوصاً عندما تتزامن الاعتداءات مع سياسة استيطان مستمرة.
مجلس الأمن الدولي نفسه حسم جزءاً مهماً من هذا الجدل عندما أكد في القرار 2334 لعام 2016 أن إنشاء المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، «ليس له أي شرعية قانونية» ويشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وطالب إسرائيل بوقف جميع الأنشطة الاستيطانية. لكن المأساة ليست في غياب النصوص؛ المأساة في غياب القدرة على إنفاذها.
فالقانون الدولي يصبح بلا قيمة عندما تتحول قرارات مجلس الأمن إلى وثائق محفوظة في الأرشيف، بينما يستمر الواقع الذي صدرت تلك القرارات لمعالجته ويتوسع يوماً بعد يوم. وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته السياسة الأميركية في السنوات الماضية في منح الاحتلال هامشاً أوسع لتكريس الأمر الواقع؛ ففي 25 آذار 2019 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، رغم أن مجلس الأمن كان قد أكد في القرار 497 لعام 1981 أن قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل «باطل ولاغٍ ومن دون أثر قانوني دولي»، وطالبها بالتراجع عنه. المشكلة هنا ليست في موقف رئيس أميركي وحده، بل في السابقة السياسية التي صنعتها تلك الخطوة: دولة عظمى قررت الاعتراف بسيادة دولة أخرى على أرض استولت عليها بالقوة، في تناقض صارخ مع المبدأ الذي يفترض أن الاستيلاء على الأراضي بالقوة لا ينشئ حقاً في السيادة. وإذا كان القانون الدولي قد وُضع تحديداً لمنع منطق القوة من أن يصبح مصدراً للحقوق، فإن الاعتراف السياسي بالأمر الواقع يفتح الباب أمام أخطر سؤال يمكن أن يواجه النظام الدولي: ماذا يمنع دولة قوية من احتلال أرض جيرانها إذا كانت تراهن على أن حليفاً قوياً سيأتي لاحقاً لمنحها غطاءً سياسياً؟ وما الذي يبقى من مبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها إذا أصبح الاحتلال قابلاً للتحول إلى سيادة بمجرد مرور الزمن وتبدل المواقف السياسية؟ ولم يتوقف الأمر عند الجولان؛ ففي تشرين الثاني 2019 أعلنت إدارة ترامب، عبر وزير الخارجية آنذاك مايك بومبيو، أن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر إقامة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية مخالفة للقانون الدولي بذاتها، في تراجع عن الموقف الأميركي السابق، في وقت كانت فيه المستوطنات تتوسع على الأرض. ثم جاءت خطة «السلام من أجل الازدهار» عام 2020 لتطرح تصوراً يسمح لإسرائيل بالسيطرة على مناطق واسعة من الضفة الغربية، بما فيها منطقة الأغوار، وهو ما منح فكرة الضم مساحة سياسية لم تكن مجرد نقاش نظري. والخطر في مثل هذه المقاربات ليس فقط في تفاصيل خطة سياسية انتهت أو تغيرت، بل في تحويل الاحتلال من حالة مؤقتة يحظر على القوة القائمة بالاحتلال تغيير طبيعتها بصورة دائمة إلى مشروع سياسي يمكن إعادة رسم حدوده وفق موازين القوة. وهنا يصبح الاستيطان أداة سياسية، ويصبح العنف أداة لتفريغ الأرض من سكانها، وتصبح الحماية العسكرية للمستوطنين جزءاً من البيئة التي تسمح باستمرار هذا المشروع. وهذا هو جوهر المشكلة: لا يمكن فصل عنف المستوطنين عن المشروع الاستيطاني، ولا يمكن فصل المشروع الاستيطاني عن الاحتلال، ولا يمكن فصل الاحتلال عن محاولات فرض السيطرة الدائمة والضم. وهذه ليست قراءة سياسية فقط؛ محكمة العدل الدولية نفسها ربطت في رأيها لعام 2024 بين سياسات إسرائيل وممارساتها وبين تمديد سيادتها إلى أجزاء من الأرض المحتلة وضمها تدريجياً إليها وفرض قوانينها عليها ونقل أعداد متزايدة من مواطنيها إليها. أما لبنان وسوريا، فهما جزء من الصورة الأوسع التي لا يجوز تجاهلها عند الحديث عن منطق القوة وتغيير الحدود. فالجولان السوري ما زال، وفق قرارات الأمم المتحدة، أرضاً سورية محتلة، وقد أكدت قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة أن فرض القوانين الإسرائيلية عليه لا ينتج أثراً قانونياً دولياً، كما تستمر الأمم المتحدة في تناول الأراضي اللبنانية المحتلة والانتهاكات المرتبطة بها ضمن إطار النزاع والاحتلال الإسرائيلي. وفي عام 2026، واصلت تقارير الأمم المتحدة الإشارة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة والجولان السوري المحتل وأجزاء من لبنان في سياق ممارسات إسرائيلية تشمل مصادرة الأراضي وتوسيع السيطرة والاستيطان والانتهاكات. وهنا لا بد من التوقف أمام مجلس الأمن الدولي، ليس باعتباره مؤسسة عاجزة في ذاتها، بل باعتباره مرآة واضحة لاختلال ميزان القوة داخل النظام الدولي. القرارات موجودة، والقواعد موجودة، والهيئات القضائية الدولية موجودة، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح تنفيذ القانون خاضعاً لحسابات السياسة والتحالفات وحق النقض. فقرار 2334 موجود، والقرار 497 موجود، ومبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة حاضر في صلب النظام الدولي، ومع ذلك تستمر الوقائع التي يفترض أن تمنعها هذه القواعد. وفي أحدث التقارير المتعلقة بتنفيذ القرار 2334، أكدت الأمم المتحدة أن النشاط الاستيطاني استمر رغم مطالبة مجلس الأمن إسرائيل بوقفه فوراً وبشكل كامل. وهذه هي المفارقة الكبرى: قرارات مجلس الأمن تبدو في كثير من الأحيان شديدة الصرامة عندما يتعلق الأمر بالدول الأضعف، لكنها تفقد قدرتها على الردع عندما تصطدم بمصالح دولة محمية سياسياً من قوة عظمى. وإذا كان القانون الدولي يريد أن يبقى قانوناً فعلياً لا مجرد لغة دبلوماسية، فلا يمكن أن يكون تطبيقه انتقائياً؛ لا يمكن أن تكون سيادة الدول مقدسة في مكان وقابلة للتفاوض في مكان آخر، ولا يمكن أن يكون الاستيلاء على الأرض بالقوة جريمة عندما يفعله خصم، ثم يتحول إلى «أمر واقع» عندما تفعله دولة حليفة. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للنظام الدولي ليس أن تنتهك دولة القانون، فهذا حدث عبر التاريخ، بل أن يتحول انتهاك القانون إلى سياسة، وأن تتحول السياسة إلى واقع، ثم يأتي المجتمع الدولي بعد سنوات ليبحث عن صيغة للاعتراف بهذا الواقع. عندها يصبح القانون مكافأة لمن يملك القوة، وتصبح القرارات الدولية مجرد توصيات لمن لا يملك القوة الكافية لفرضها. ولهذا فإن حماية جيش الاحتلال للمستوطنين أثناء اعتداءاتهم على الفلسطينيين ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه في نشرات الأخبار، وليست مجرد مشهد آخر من مشاهد الصراع؛ إنها صورة مكثفة لمنظومة كاملة يتداخل فيها الاحتلال والاستيطان والعنف والحماية العسكرية والسياسة الدولية ومحاولات فرض السيطرة الدائمة على الأرض. وعندما تستخدم الدولة قوتها العسكرية أو مؤسساتها الرسمية لحماية منظومة من العنف المنظم المرتبط بالسيطرة على أرض محتلة، أو عندما تفشل بصورة منهجية في منع هذا العنف ومحاسبة مرتكبيه، فإن وصف ذلك بأنه «إرهاب دولة» يصبح، على الأقل، توصيفاً سياسياً جدياً لمنظومة تقوم على استخدام القوة لإخضاع السكان وفرض واقع جديد، مع ضرورة إبقاء التمييز القانوني قائماً بين هذا الوصف السياسي وبين الجرائم المحددة التي يعترف بها القانون الدولي. وفي النهاية، لا يحتاج العالم إلى قواعد جديدة كي يفهم ما يجري في فلسطين؛ يحتاج فقط إلى تطبيق القواعد التي كتبها بنفسه. يحتاج إلى أن يتعامل مع القانون الدولي باعتباره قانوناً لا وجهة نظر، ومع قرارات مجلس الأمن باعتبارها التزامات لا بيانات أرشيفية، ومع الاحتلال باعتباره حالة لا يمكن أن تتحول بالقوة إلى حق، ومع المدنيين باعتبارهم بشراً يستحقون الحماية بصرف النظر عن هويتهم وجنسيتهم ومكانهم. فإما أن يكون القانون الدولي واحداً على الجميع، أو أن الاعتراف بوجوده يصبح مجرد وهم؛ وإما أن تكون الحدود مصونة من منطق القوة، أو أن العالم كله سيدفع ثمن سقوط هذه القاعدة. فلسطين هنا ليست الاختبار الوحيد، لكنها واحدة من أوضح الاختبارات: هل يستطيع المجتمع الدولي أن يفرض القانون على من يملكون القوة، أم أن القانون سيبقى سيفاً لا يُشهر إلا في وجه من لا يملك القدرة على منعه؟


