المستقل – كتب : خلدون النعيمي
مع نهاية الحرب العالمية الثانية انصرف الحلفاء الاوربيون لتضميد جراحهم واعادة بناء اقتصاد دولهم المنهكة ، ولم تمض بضع اعوام حتى رأت الحركة الصهيونية ان قانون الازاحة السياسي الذي افرزته الحرب وما نتج عنه من دمار كبير للقارة الاوروبية ستملأه القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية الاميركية الصاعدة فكان اعادة توجيه الاعتماد في المشروع الصهيوني من بريطانيا صاحبة وعد بلفور الى واشنطن التي كانت اول دولة اعترفت بإسرائيل بعد ساعات قليلة من اعلانها ، وجاء العدوان الثلاثي على مصر والذي اشتركت فيه فرنسا وبريطانيا وفشلوا بتحقيق اهدافهم ليعلن بدء القطبية الثنائية الاميركية والسوفياتية وبجعل القارة الاوروبية مناطق نفوذ بين المعسكرين الشرقي والغربي .
واستطاعت الحركة الصهيونية من خلال الايباك وبسطوة الاعلام المسيس والمال السياسي تسخير صناع القرار السياسي التشريعي والمؤثرين في الراي العام الاميركي لخدمة السردية الاسرائيلية ، وفي السنوات الاخيرة ومع حرب الابادة الاسرائيلية على اطفال ونساء غزة كان للإعلام المحايد ووسائل التواصل الاجتماعي الدور الكبير في نقل مآسيها بشكل مباشر للمواطن الاميركي ، فضلاً عما اعتبره هذا المواطن ان الحرب الاخيرة على ايران وما صاحبها من مصاعب اقتصادية طالت حياته اليومية كانت بضغط واضح من اسرائيل لخدمة مصالحها ، كل ذلك سبب انتكاسة في قوة اسرائيل وحلفائها في الشارع الاميركي ومطبخ قراره ، بل وقد صاحبه ارتفاع في تأثير الاصوات الداخلية الاميركية الداعمة للحق الفلسطيني والمنددة بإسرائيل والتي كان مجرد اللمز بذلك يعتبر من المحرمات الى عهد قريب .
وفي ذلك يرى الكاتب والإعلامي ونائب رئيس تحرير مجلة المجتمع الكويتيّة مرزوق فليج الحربي في مقال له بعنوان “زلزال في السياسة الأمريكية : صعود المسلمين وتراجع نفوذ أيباك” نشر في السابع والعشرين من شهر آب الماضي أن أحدث البيانات الصادرة عن مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) تشير لتحول نوعي في مشاركة مسلمي اميركا في الانتخابات الداخلية “فلم يعد حضورهم مجرد حضور رمزي بل تجذر مؤسسي واسع عبر توثيق 255 مسؤولا مسلما منتخبا يتوزعون على 26 ولاية أمريكية” ، ويشير الحربي انه في الوقت التي كان ينظر بها لأيباك باعتبارها صانعة الملوك فقد تحول دعمها الان الى عبء انتخابي وان “الصعود الاسلامي الحالي في مرحلة المخاض السياسي بين التقدم الفكري وحملات الإسلاموفوبيا ، وبالتالي فإن ما يجري ليس مجرد تبدل في الوجوه الانتخابية بل هو مسار يعيد تعريف الأولويات الوطنية الأمريكية ووأد عصر الانصياع الأعمى لمصالح جماعات الضغط .
لا شك أن عقود من الهيمنة المنظمة للأيباك على مسرح القرار الاميركي لن تفرط بها بسهولة سيما مع البروز الجامح لشعار “اميركا أولاً” في تأكيده مبدأ تحييد مصالح أي دولة او جهة اخرى ، وهنا تبرز اهمية ان تدرك القوى الاسلامية الاميركية الداخلية ضرورة تنظيم خططها وقواها والإفادة من الدعم الخارجي للدول العربية والاسلامية المتضررة بقوة من السياسة الاميركية الداعمة لألة العدوان الاسرائيلي في مختلف محافله ، فهل تدرك القوى الداخلية والخارجية الاسلامية ذلك مع هبوب رياح التغيير الحقيقي الحالية مستفيدة من القول العربي المأثور “أن هبت رياحك فاغتنمها فأن بعد هبوب سكون”؟


