الرئيسيةمقالاتالمجالي: آن الأوان أن نسمّي الأشياء بأسمائها.. ونواجه جذور التعصّب والتكفير

المجالي: آن الأوان أن نسمّي الأشياء بأسمائها.. ونواجه جذور التعصّب والتكفير

المستقل – بقلم: الوزير الأسبق المهندس سهل عبد الهادي المجالي

آن الأوان أن نسمي الأشياء بأسمائها..

إن ما شهدته الكرك من اعتداء على كنيسة يجب ألا يمر باعتباره مجرد حادثة ندينها ثم نطوي صفحتها، بل ينبغي أن يدفعنا إلى مواجهة أسئلة طالما تجنبنا طرحها، تتعلق بفهمنا للدين، وما نعلمه لأبنائنا باسمه، وعلاقتنا ببعضنا بعضاً كمواطنين في وطن واحد.

وأول ما يستوقفني هو ما نسمعه باستمرار في وسائل الإعلام من وصف هذه الظواهر بأنها «فكر تكفيري». وأتساءل: لماذا نصر على منح الجهل والتعصب صفة الفكر؟ إن تكفير الآخرين واستباحة حقوقهم وحياتهم بسبب معتقداتهم ليس فكراً يستحق هذه التسمية، بل هو جهل وتخلف يجب أن نسميهما باسميهما ونتعامل معهما على هذا الأساس.

ولكن المشكلة لا تنتهي عند تسمية الأشياء بأسمائها، بل تبدأ من ضرورة مراجعة ما تراكم عبر مئات السنين من تفسيرات واجتهادات بشرية أصبح بعضها يُقدم وكأنه جزء من الدين لا يجوز المساس به.

وهنا أقول بوضوح: أنا لست عالم دين ولا فقيهاً، ولا أدعي امتلاك الحقيقة المطلقة. لكنني أقرأ وأفهم وأفكر ولست غبياً، ولا أقبل أن يستغبيني أحد باسم الدين.

فالفقهاء والمفسرون الذين عاشوا قبل ألف عام كانوا بشراً مثلنا، اجتهدوا في ظروف زمانهم، وأصابوا وأخطأوا. وليس من المنطق أن نمنح اجتهاداتهم قداسة النص الإلهي، أو أن نرفض مراجعتها في ضوء ما وصل إليه الإنسان من معرفة وفهم.

إن القرآن الكريم هو النص المقدس، أما ما كتبه البشر في تفسيره فهو قابل للنقاش والمراجعة، خصوصاً عندما تستخدم بعض تلك التفسيرات لتبرير الكراهية والتكفير والإقصاء.

ولعل ما يستوقفني عند قراءة القرآن الكريم هو المكانة التي يمنحها للعمل الصالح، بدلاً من الاكتفاء بالانتماء الديني أو الادعاء بالإيمان.

يقول تعالى:

لَيْسَ بِأَمَانِيْكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ) – النساء: 123.

ويقول:

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ) – الزلزلة : 7.

ويقول أيضاً:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) – البقرة : 62

هذه الآيات، في فهمي، تؤكد أن العمل الصالح معيار جوهري في الجزاء عند الله، وأن مجرد الانتماء الديني لا يعفي الإنسان من مسؤولية أعماله. فإذا كان الله هو من يحاسب عباده، فمن أعطانا الحق في تكفير الآخرين أو تقرير مصيرهم في الآخرة؟

وهذا يقودني إلى مسألة لا تقل أهمية، وهى إصرار البعض على الحديث عن المجتمع الإسلامي» و«المجتمع المسيحي» في الأردن، وكأننا مجتمعان منفصلان.

نحن مجتمع أردني واحد، ولسنا مجتمعين دينيين يتعايشان على أرض واحدة.

ولمن ينسى التاريخ، فإن المسيحية كانت منتشرة على أرض الأردن قبل ظهور الإسلام بقرون، وكانت ديانة الكثير من سكانه وقبائله العربية، وهذا التاريخ يذكرنا بأن اختلاف الدين لا يعني اختلاف الجذور أو الانتماء، وأن المسيحي الأردني ليس وافداً على هذه الأرض، بل هو ابنها الأصيل، شأنه شأن المسلم الأردني.

نحن أبناء وطن واحد تجمعنا الأرض والتاريخ والمصير، وتكفل لنا المواطنة حقوقاً وواجبات متساوية ،أما معتقداتنا الدينية فهي شأن يخص كل إنسان وعلاقته في ربه، ولا يجوز أن تكون أساساً للتفريق بيننا.

فالمسيحي الأردني ليس ضيفاً يحتاج إلى تسامح المسلم، والمسلم ليس صاحب امتياز بسبب دينه كلاهما مواطن كامل الحقوق، ولا ينبغي أن يكون الدين أساساً لتحديد مكانة أي منهما في وطنه.

إيمانك يحدد كيف تعيش أنت لكنه لا يمنحك الحق في أن تقرر كيف يجب أن يعيش الآخرون.

إن مواجهة التعصب تتطلب أكثر من إدانة الجرائم وملاحقة مرتكبيها، إنها تتطلب مراجعة شجاعة للمناهج والخطاب الديني والموروث التفسيري، دون الخلط بين قدسية القرآن الكريم واجتهادات البشر.

فليس المطلوب محاربة الدين، بل تحرير فهمنا له من التعصب والوصاية، وإعادة الاعتبار للعقل والعمل الصالح واحترام الإنسان.

لقد آن الأوان أن نتوقف عن محاربة نتائج التكفير وحدها، وأن نواجه جذوره، وأن نتذكر أننا في الأردن لسنا طوائف تتقاسم وطناً، بل مواطنون يجمعهم وطن واحد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -

اقرأ ايضا